د.عيد بن حجيج الفايدي
في قاعات منتديات الاستثمار، سواء أُقيمت في فنادق فخمة، أو مدرجات وزارية، أو غرف تجارية، يتكرر مشهد لافت يتناقض في تفاصيله بلا استثناء مع الواقع فالهوية البصرية عربية خالصة ومتجذرة، والحضور في معظمه بلباس وطني أنيق يعكس الأصالة، والموضوعات المطروحة تشرّح بدقة تفاصيل الاقتصاد الوطني ومستقبل التنمية، ومع ذلك، يقف المتحدث على المنصة ليبدأ بـ»اعتذار لطيف» عن حديثه باللغة الإنجليزية.
وهذا المشهد ليس زلةً فردية أو عابرة، بل هو عَرَضٌ لإشكالية غير مبررة واهتزاز في الثقة المعرفية؛ بيئة فكرية جعلت اللغة العربية تبدو -وعن غير قصد- وكأنها غير صالحة للحديث عن تفاصيل الاستثمار الحديث، رغم أنها لغة حضارة قادت العلوم والاقتصاد العالمي لقرون، ورغم أن الانفتاح على الآخر لا يتطلب التخلي عن الذات.
والمفارقة تتضح أكثر عند مراقبة كبرى عواصم المال والأعمال في العالم؛ فمن يحضر منتديات الاستثمار في بكين أو سيول أو موسكو أو طوكيو، يجد مشهداً مغايراً تماماً، حيث اللغة الأولى على المنصات الرسمية هي الصينية أو الكورية أو الروسية أو اليابانية، وتُقدَّم الترجمة الفورية إلى اللغات الأخرى كخدمة للوفود الأجنبية تسهيلاً لهم، دون أن يُعتذر عن اللغة الوطنية.
بل إن كبرى المنتديات الاقتصادية العالمية كمنتدى بوآو الآسيوي في الصين، ومنتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي في روسيا، تنطلق بلغة البلد المضيف أصلاً، وتُقدَّم الترجمات خدمةً للضيوف لا اعتذاراً عن الهوية. وهذا النموذج الدولي يُثبت بجلاء أن اللغة الوطنية لم تكن يوماً حاجزاً أمام تدفق رؤوس الأموال، بل إن الحاجز الحقيقي هو الوهم النفسي بأن التخلي عن الهوية هو تذكرة العبور إلى العالمية.
وفي عالم تتسارع فيه التحولات، لم تعد المنافسة الاقتصادية مقتصرةً على حجم الأسواق وضخامة رؤوس الأموال؛ بل امتدت لتشمل القدرة على إنتاج المعنى وصياغة المفاهيم التي تفسر الواقع وتوجّه المستقبل. ومن هنا تبرز اللغة بوصفها أحد أهم الأصول الإستراتيجية التي تمتلكها الأمم، إذ هي ليست مجرد أداة للتواصل، بل وعاءٌ للفكر، وحاضنةٌ للرؤية، ومنصةٌ لإنتاج المعرفة. فالسيادة الاقتصادية تبدأ من السيادة المعرفية، والدول التي تقود العالم اقتصادياً تُدرك تماماً أن من ينتج المفهوم يمتلك قدرة أكبر على توجيه النقاش وصناعة القرار، أما التفكير بلغة مستوردة في قضايا استراتيجية، فيعادل استعارة عقل آخر للتفكير في المستقبل.
لقد ظلّ الاعتقاد سائداً لعقود بأن اللغة الإنجليزية هي البوابة الوحيدة إلى الاستثمار العالمي، وكان لهذا الاعتقاد مبرره في سياق تاريخي محدد، حين كانت المعرفة محصورة في نطاقات لغوية ضيقة، والترجمة بطيئة ومكلفة. غير أن هذا السياق تغيّر جذرياً؛ فقد ألغت تقنيات الذكاء الاصطناعي الفجوة اللغوية التي كانت تفصل المستثمرين والأسواق، وأصبح بإمكان المستثمر في الرياض، والباحث في المدينة المنورة، والمستثمر في أبوظبي، أن يتواصل مع نظرائه في بكين وموسكو وساو باولو بلغته الأم، عبر أدوات ترجمة تعمل بصورة فورية وبدقة متنامية مثل اجهزة الترجمة التي أستخدمها موظفو الجوازات في مطار استقبال الحجاج لهذا العام. وهنا يطرح السؤال الاستراتيجي نفسه بإلحاح: إذا كانت التقنية قادرة على ترجمة اللغات، فلماذا نتخلى عن لغتنا أصلاً؟ ولماذا نُصرّ على التفكير بلغة أجنبية، في حين أن التقنية باتت قادرة على ردم الفجوة دون أن نتنازل عن الهوية المعرفية؟
إن الواقع يؤكد أن اللغة العربية ليست تحدياً يواجه الاستثمار، بل هي فرصة استثمارية بحد ذاتها، وقوة ناعمة تواكب الصعود الاقتصادي وتمنحه بُعده الإنساني والحضاري. فهي لغة يتحدث بها مئات الملايين، وتمثّل البعد الثقافي لمنطقة تقود مشاريع تحوّل تاريخية لا سيما في المملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي. كما أنها تمتلك ثروة مفاهيمية نادرة قادرة على إثراء الفكر الاقتصادي العالمي؛ فمفاهيم الوقف، والنماء، والمضاربة، والمسؤولية المجتمعية، ليست مصطلحات تراثية جامدة، بل تحمل في جوهرها رؤى إنسانية متقدمة للعلاقة بين المال والتنمية والمجتمع، وتطرح نموذجاً يوازن بين الربح والقيمة الأخلاقية.
بناءً على ذلك، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في ترجمة المصطلحات الأجنبية إلى العربية، بل في إنتاج المعرفة الاستثمارية ابتداءً باللغة العربية، وصياغة رؤى اقتصادية تنطلق من واقعنا وتجاربنا وقيمنا. فالاستثمار في اللغة العربية اليوم ليس مشروعاً ثقافياً ترفيهياً، بل هو مشروع تنموي واستراتيجي طويل المدى؛ وكل كتاب اقتصادي يُكتب بالعربية، وكل منصة معرفية عربية، وكل مؤتمر يناقش قضايا الاستثمار باللغة الوطنية، وهذا يمثّل إضافة حقيقية إلى رأس المال المعرفي للأمة.
لقد نفذ الذكاء الاصطناعي الترجمة بمهارة واضحت الكلمات قابلة للنقل بين اللغات، لكنه لم يجعل الهوية قابلة للاستبدال، فالتقنية تستطيع نقل الألفاظ، لكنها لا تستطيع أن تمنح الأمم رؤيتها الخاصة للعالم. ولذلك فإن المستقبل لن يكون للأمم التي تتحدث لغة غيرها، بل للأمم التي تُفكّر بلغتها، وتستثمر التقنية للتواصل مع الآخرين دون أن تتنازل عن أصالتها.
وحين تصبح اللغة العربية لغةً للإبداع الاقتصادي وصناعة القرار وإنتاج المعرفة، فإنها لن تكون مجرد أداة للتعبير عن التنمية، بل أحد أهم محركاتها، وهنا يصبح الالتزام باللغة العربية ليس خياراً عاطفياً، بل واجباً معرفياً واستراتيجياً وحضارياً، لأنها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية، ولغة الوطن، والوعاء الذي يجب أن تُصاغ به الأفكار الاقتصادية قبل أن تُترجم إلى أي لغة أخرى.