د. سطام بن عبدالله آل سعد
قبل سنوات، كان الهدف من تقارير الاستدامة (ESG) هو رفع مستوى الشفافية، وقياس أداء المؤسسات في الجوانب البيئية والاجتماعية والحوكمة، وربط الاستدامة بالقرار الإداري والاستثماري. غير أن التطبيق كشف ظاهرة تستحق التوقف؛ فبعض المؤسسات أصبحت تصنع تقارير استدامة ممتازة، دون أن تصنع استدامة حقيقية.
المشكلة لا تبدأ من التقرير، وإنما من تحوله إلى غاية مستقلة. فبدل أن يكون انعكاسًا لممارسات راسخة داخل المؤسسة، أصبح في بعض الحالات مشروعًا إعلاميًا يُقاس بعدد الصفحات، وجودة التصميم، وكثرة المؤشرات. وهكذا انتقل الاهتمام من تحسين الواقع إلى تحسين صورة الواقع.
ويظهر هذا الخلل بوضوح عندما تهمل بعض الشركات برامج الاستدامة المرتبطة بعملياتها اليومية، ثم تتوسع في رعاية المبادرات والفعاليات الخارجية تحت شعار المسؤولية والاستدامة. فالاستدامة تبدأ من داخل المؤسسة؛ من كفاءة الطاقة، وإدارة الموارد، وسلامة بيئة العمل، والحوكمة، والابتكار، ورعاية الموظفين، ثم تمتد بعد ذلك إلى المجتمع. أما القفز مباشرة إلى الرعايات الخارجية، فهو يمنح المؤسسة حضورًا إعلاميًا أكثر مما يمنحها أثرًا تنمويًا.
ومن أبرز نقاط الضعف في منظومة تقارير الاستدامة ESG؛ أن درجة الشركة قد تتغير بتغير الجهة التي تقيسها، لا بتغير أدائها الفعلي. فاختلاف منهجيات وكالات التصنيف، وأوزان المؤشرات، وآليات الاحتساب، يؤدي أحيانًا إلى نتائج متباينة للشركة نفسها، رغم اعتمادها على البيانات ذاتها. وعندما يختلف الحكم باختلاف أداة القياس، تضعف القدرة على إجراء مقارنات عادلة بين المؤسسات.
ومن أكثر المفارقات غرابة أن بعض المؤسسات تبحث عن خبير استدامة بين حاملي شهادات الحضور، بينما تتجاهل خريجي البرامج الجامعية المتخصصة في التنمية المستدامة، أو أصحاب التأهيل الأكاديمي والخبرة المهنية المرتبطة بهذا المجال. وكأن سنوات الدراسة والبحث العلمي يمكن اختصارها في دورة تمتد أيامًا قليلة. هذا الخلط لا يظلم المتخصصين فحسب، بل ينعكس أيضًا على جودة القرارات، ويحول الاستدامة من علم وإستراتيجية إلى ملف إداري يدار بالاجتهاد أكثر مما يدار بالمعرفة.
وتواجه المنشآت الصغيرة والمتوسطة تحديًا آخر يتمثل في ارتفاع تكلفة إعداد تقارير ESG. فجمع البيانات، والاستعانة بالمستشارين، وإجراء المراجعات، وإعداد المؤشرات، يستهلك وقتًا وموارد قد يكون أثرها أكبر لو وُجهت إلى تحسين الأداء الفعلي داخل المؤسسة.
ويبقى التحدي الأكبر أن بعض الجهات أصبحت تدير المؤشرات أكثر مما تدير الأداء. فكل ما يمكن قياسه يحظى بالاهتمام، بينما تتراجع عناصر يصعب اختزالها في أرقام، مثل الثقافة المؤسسية، والثقة، والقيادة، والابتكار، وجودة القرار. وعندما تصبح المؤشرات هدفًا، يفقد القياس وظيفته الأساسية.
الاستدامة ليست تقريرًا سنويًا، ولا شهادة تُعلَّق على الجدار، ولا تصنيفًا يتغير من جهة إلى أخرى. الاستدامة أثر اقتصادي واجتماعي وبيئي يلمسه الناس قبل أن يقرؤوه.