صالح الشادي
ثمة شخصياتٌ تمرُّ في حياتنا كأيامٍ عابرة، ثمّ تظلُّ أصداؤها في الذاكرة، كأنها موسيقى لا تَهدأ. وشخصياتٌ أخرى، تُشرقُ في النفس كفجرٍ لا يَغيب، ويظلُّ حضورُها كالضوء الذي لا يُمحى، وإن غاب الجسد.
الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد آل سعود هو من أولئك الذين إذا تأملتَ مسيرتهم، وجدتَها ليست مجرد سيرةِ رجل، بل هي قصيدةٌ تُكتبُ بالعطاء، ولوحةٌ تُرسمُ بالوعي، وبصمةٌ تبقى في جدار الزمن، لا تَطمسها الأيام، ولا تُغيّبها السنون. إنه رحلةُ إنسانٍ جمعَ بين عقلِ المهندسِ، وروحِ الفنانِ، وقلبِ المربّي، وإنسانيةِ المسؤول الذي رأى في كلِّ تفصيلةٍ من تفاصيل الحياة فرصةً للجمال، وفي كلِّ إنسانٍ قصةً تستحقُّ أن تُروى.
وُلِدَ هذا الرجل الكريم أميرا في قلبِ الرياض، في الثالثِ عشرَ من مايو عام 1950م، لكنّه لم يَرتَضِ بأن يكونَ ظلاًّ لانتمائهِ، بل آثرَ أن يصنعَ مجدَهُ بيديه، وأن يكتبَ اسمَهُ بحبرِ العلمِ والاجتهاد. شدَّ رحالَهُ إلى الولاياتِ المتحدة، حيث أغترفَ من ينابيعِ المعرفة، فنالَ شهادةَ البكالوريوس في إدارةِ الأعمالِ من كليةِ منلو عام 1971م، ثمّ واصلَ سعيَهُ الأكاديميَّ بجدارةٍ لافتة، ليحصلَ على شهادةِ الماجستير في الهندسةِ الصناعيةِ من جامعةِ ستانفوردَ العريقةِ عام 1977م. وفي هذا المزيجِ الفريدِ بين إدارةِ الأعمالِ والهندسة، كان يكمنُ سرُّ عبقريته: مفكرٌ استراتيجيٌّ يرى الأمورَ من زوايا متعددة، ومهندسٌ دقيقٌ لا يغفلُ عن التفاصيل، وقائدٌ إداريٌّ يعرفُ كيفَ يبني المؤسساتِ وينميها.
هذا التكوينُ العلميُّ الفريد لم يكن مجردَ رحلةٍ أكاديميةٍ عابرة، بل كان الأساسَ المتينَ الذي قامت عليه مسيرةٌ مهنيةٌ حافلة، تنقلَ خلالها في مناصبَ متعددة، إلى أن توجَّت بتعيينه وزيراً للتربيةِ والتعليمِ في الرابعِ عشرَ من فبرايرَ عام 2009م. هناك، وفي تلك الحقبة وفي قلبِ المسؤوليةِ ، وجدَ نفسَه أميناً على مستقبلِ خمسةِ ملايينَ طالبٍ وطالبة، في سبعةٍ وعشرينَ ألفَ مبنىً مدرسيٍّ، مع أربعمئةٍ وستينَ ألفَ معلمٍ ومعلمة، فقادَ جهوداً إصلاحيةً كبرى، آمنَ خلالها بأنَّ التعليمَ ليس مجردَ مهنة، بل هو مشروعُ نهضةِ أمة، وبأنَّ المعلمَ هو حجرُ الزاويةِ في بناءِ إنسانِ الغد، وبأنَّ التربيةَ المهنيةَ يجبُ أن تشكلَ جزءاً أصيلاً من المناهجِ الدراسية.
لكن طموحَه وعشقه لوطنه لم يتوقفْ عندَ حدودِ الوزارة، بل امتدَّ ليشملَ بناءَ فكرٍ إستراتيجيٍّ طويلِ المدى، فكانت «مجموعةُ الأغرِ للفكرِ الاستراتيجي»، تلك الحاويةُ الفكريةُ السعوديةُ المستقلةُ التي أسسها لتكونَ منصةً لاستشرافِ المستقبل. وضعتِ المجموعةُ استراتيجيةً طموحةً لتحويلِ المملكةِ إلى مجتمعٍ معرفيٍّ منتجٍ ومنافسٍ عالمياً، وترجمتْ رؤاها إلى عدة مبادراتٍ ملموسة، في مقدمتها مبادرةُ «الأسرةِ المعرفيةِ السعودية» التي هدفتْ إلى رفعِ مستوى المعرفةِ والمهاراتِ التربويةِ للآباءِ والأمهات، خصوصاً في السنواتِ الستِّ الأولى من عمرِ الطفل، إيماناً راسخاً منه بأنَّ بناءَ مجتمعِ المعرفةِ يبدأ من اللبنةِ الأولى: الأسرة.
وإذا كانت «الأغر» تمثلُ الجانبَ الفكريَّ الاستراتيجيَّ في شخصيتِه، فإنَّ مؤسسةَ «ليان الثقافية» تجسّدُ جانبهُ الفنيَّ والإبداعيَّ الأثير. تأسستْ عامَ 2007م لتكونَ كياناً فنياً رائداً، يعززُ التقديرَ الفنيَّ في عقولِ وقلوبِ الشعبِ السعودي، ويحافظُ على التراثِ الثقافي، ويقدّمُ الفنَّ كأداةٍ للتعليم.
ومن أبرزِ معارضها مشروعُ «مساجدَ تُشدُّ إليها الرحال» الذي تحوَّلَ إلى مشروعٍ عالميٍّ واسع، ومعرضُ «الجملِ عبرَ العصور» الذي ضمَّ أكثرَ من مئةٍ وخمسَ عشرةَ قطعةً فنية. ولم تكتفِ «ليان» بالمعارض، بل حرصتْ على تحويلِ هذه الأفكارِ إلى كنوزٍ معرفيةٍ دائمة، فأصدرتْ مجموعة اصدارات منها كتابَ «المساجدِ الثلاثة»، والعملَ الموسوعيَّ الضخمَ «الجملَ عبرَ العصور» بالتعاونِ مع مكتبةِ الملكِ عبدالعزيز العامة.
غير أنَّ ما يجعلُ هذه الشخصيةَ فريدةً بحق، هو أنه لم يكنْ مجردَ راعٍ للفن، بل كان فناناً بذاته، مهندساً ذواقا للجمال ومصوراً محترفاً. هذا المزيجُ العجيبُ بين الهندسةِ الدقيقةِ والعينِ الفنيةِ جعلَ منه شخصيةً مفكرة قادرةً على قراءةِ المبدعين بوصفِهم طاقاتٍ كامنةٍ تنتظرُ ومضة عبقرية. وقد تجلّى شغفُه بالتصويرِ في كتابِه «شروق وغروب»، ذلك الكتابُ المصوّرُ الذي يضمُّ صوراً متنوّعة التقطتها عدستُه، بعضُها للملكِ عبدالله بن عبدالعزيز - رحمه الله - في رحلاته وزياراته، وبعضُها الآخر لمظاهرِ غروبِ الشمسِ في مختلفِ مناطقِ المملكةِ ودولِ العالم. إنه كتابٌ فني فلسفي ينقلُ به ما رأته عيناه، وما أحسَّ به قلبُه، ليُشركنا في رحلته البصرية والروحية معاً.
وفي عالمِ الكشافةِ، كان حضورُه مؤسسياً وإنسانياً على حدٍّ سواء، فبصفتهِ رئيساً لجمعيةِ الكشافةِ العربيةِ السعودية، حملَ رسالةَ المملكةِ الإنسانيةَ إلى العالم، ونالَ شارةَ عضويةِ «زمالةِ بادن باول» من ملكِ السويدِ عامَ 2009، تقديراً لجهودِه في دعمِ الحركةِ الكشفيةِ عالمياً، وسلّمَ تبرعاً سخياً لدعمِ برنامجِ «هديةِ السلام» العالمي، ليصبحَ سفيراً لثقافةِ الحوارِ والتسامح. وكانتْ زياراتُه للكشافةِ في مكةَ المكرمة، وتفقُّدُ معسكراتِهم في موسمِ الحج، خيرَ دليلٍ على حرصِه على خدمةِ ضيوفِ الرحمن، ودعمِه للشبابِ في أداءِ رسالتِهم النبيلة.
وفي رياضةِ الفروسيةِ، التي تمثلُ جزءاً أصيلاً من هويةِ المملكة، كان للأميرِ فيصل حضورٌ مؤسس، حيثُ كرّمَه الاتحادُ السعوديُّ للفروسيةِ بصفتهِ مؤسسَ الاتحاد، تقديراً لعقودٍ من العطاءِ في خدمةِ هذه الرياضةِ العربيةِ الأصيلةِ التي تجسّدُ عراقةَ المملكةِ وهويتَها.. وهذا قليل من جوانب كثيرة في تاريخه لا يتسنى المقام هنا لذكرها.
اليوم، وفي ظلِّ النهضةِ السعوديةِ الشاملةِ غيرِ المسبوقةِ التي تعيشُها المملكةُ في عصرِ خادمِ الحرمينِ الشريفينِ الملكِ سلمانَ بنِ عبدالعزيز، ووليِّ عهدِه الأمينِ الأميرِ محمدِ بنِ سلمان - حفظهما الله -، تتجلى هذه الرؤى الثاقبةُ في أبهى صورِها. فما نشهدُه من تحولاتٍ كبرى في التعليمِ والثقافةِ والفنونِ والاقتصادِ والانفتاحِ العالمي، ليس إلا ثمرةً لمسيرةٍ طويلةٍ من العملِ الجادِّ والفكرِ المستنير، اسهم الأميرِ فيصل فيها كأحدِ المفكرينِ المخلصينِ الذين حرصوا على الارتقاءِ بوطنِهم، وسعوا بوعيٍ وإخلاصٍ إلى ما وصلنا إليه اليوم من نهضةٍ شاملةٍ تليقُ بمكانةِ المملكةِ وتاريخِها العريق.
إنَّ مسيرةَ الأميرِ فيصلَ بنِ عبدالله تعكسُ نموذجاً لشخصيةٍ جمعتْ بين العملِ المؤسسيِّ والاهتمامِ الثقافيِّ، بين الأداءِ الرسميِّ والشغفِ الشخصيِّ، بين الوعيِ الاستراتيجيِّ والإنسانيةِ المتدفقة. لقد أدركَ أنَّ النهضةَ الحقيقيةَ لا تتحققُ بالقوانينِ وحدها، بل بتمكينِ الإنسان، وتغذيةِ روحِه، وتوسيعِ آفاقِ معرفتِه. وهو ذاتُ الوعيِ الذي تقومُ عليه النهضةُ السعوديةُ اليوم والتي نعيشها ويقودها باقتدار سمو ولي العهد رعاه الله ، حيث أصبحتِ المملكةُ نموذجاً يُحتذى في التنميةِ المستدامة، والانفتاحِ الثقافي، وتمكينِ المرأة، والاستثمارِ في المستقبل.
في هذا الزمنِ الزاخرِ بالإنجازات، ندركُ أنَّ الرجالَ العظماءَ لا يُقاسون بمناصبِهم، بل بوعيهم وإنسانيتِهم، وبما يتركونَه من أثرٍ في قلوبِ الناسِ ووجدانِ الوطن. والأميرُ فيصلُ بنُ عبدالله بن محمد، بمشوارِه الثريِّ والمتنوِّع، يظلُّ مثالاً حياً على أنَّ القيمةَ الحقيقيةَ للإنسانِ تكمنُ في تنوُّعِ عطائِه، وعمقِ وعيِه، وصدقِ إنسانيتِه.