د. طلال الحربي
في كل مرة يسند فيها موقعٌ قياديٌّ عالميٌّ إلى امرأةٍ سعودية، لا ينبغي أن نقرأ الخبر بوصفه تعييناً إدارياً عابراً، بل بوصفه إشارة إلى تحول أعمق. وهذا تحديداً ما يستحضره قرار مجلس أمناء مؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار» (FII Institute) بتعيين صاحبة السمو الملكي الأميرة الدكتورة مها بنت مشاري بن عبدالعزيز آل سعود رئيسة تنفيذية للمؤسسة. فالحدث في ظاهره خبر مؤسسي، أما في عمقه فهو فصل جديد من قصة طويلة عنوانها: المرأة السعودية شريكة كاملة في صناعة المستقبل، لا حاضرة على هامشه.
ولعل ما يمنح هذا التعيين دلالته الخاصة أنه لا يقوم على «الرمزية» وحدها، بل على رصيد مهنيٍّ يصعب تجاهله. فالأميرة الدكتورة مها تأتي إلى موقعها بخبرة تتجاوز خمسة وعشرين عاماً، تنقّلت خلالها بين الرعاية الصحية والتعليم العالي والبحث العلمي والشراكات الإستراتيجية والعمل الدولي. شغلت قبل انضمامها إلى المؤسسة منصب نائب الرئيس للعلاقات الخارجية والتطوير في جامعة الفيصل، وأسهمت هناك في توسيع شراكاتها وترسيخ مكانتها بين أبرز المؤسسات التعليمية في المملكة. أما سجلّها العلمي فيحمل شهادة الطب والجراحة، وزمالة المجلس الأميركي للطب الباطني بعد تدريبٍ في جامعة جورج واشنطن، إلى جانب برامج قيادية تنفيذية في كلية هارفارد للأعمال ومعهد IMD، وصولاً إلى لقب «أستاذ الكلية الأميركية للأطباء» (MACP) وهو تكريمٌ لا يُمنح إلا لقلّة بعد مراجعة دقيقة من الأقران. هذه ليست سيرة تُجمّل، بل مسارٌ بُني لبنة لبنة.
وهنا يتّضح المعنى الأبعد: حين تجلس سيدة سعودية على رأس منصةٍ عالمية بهذا الحجم، فإنّ التمكين لم يَعُد شعاراً يُرفع في المناسبات، بل واقعاً يُمارَس على الأرض. لقد جعلت رؤية صاحب السمو الملكي ولي العهد حفظه الله من مشاركة المرأة هدفاً وطنياً واضح الملامح، فانتقل الحديث من «إتاحة الفرصة» إلى «تسليم القيادة». والأمثلة على ذلك لم تَعُد تُحصى: مئاتٌ من السعوديات يتولّين اليوم مواقع المسؤولية في الوزارات والهيئات والشركات والمحافل الدولية، حتى صار وجود المرأة في الصفّ الأول أمراً مألوفاً لا استثنائياً. وتعيين الأميرة مها يندرج في هذا السياق الأوسع، غير أنّه يضيف إليه بُعداً عالمياً: فالمنصة التي تقودها لا تخاطب الداخل السعودي وحده، بل تتحدّث إلى العالم بأسره.
ولفهم قيمة هذا الموقع، يكفي أن نتأمّل ما باتت تمثّله مبادرة مستقبل الاستثمار. فهي لم تَعُد منتدى موسمياً يجتمع فيه قادة المال والأعمال، بل تحوّلت إلى مؤسسةٍ عالمية غير ربحية لها ذراعٌ استثمارية وأجندةٌ واحدة معلنة: الأثر في الإنسانية. تعمل عبر ركائزها الثلاث -التفكير والتبادل والفعل- على احتضان الأفكار الكبرى وتمكين المبتكرين والاستثمار في حلولٍ قابلة للتوسّع في قطاعاتٍ حسّاسة كالذكاء الاصطناعي والروبوتات والاستدامة والصحة والتعليم. وبهذا المعنى صارت المبادرة لاعباً رئيسياً على الخريطة العالمية، يزداد حضوره ووزنه يوماً بعد يوم، حتى غدا انعقادها حدثاً يُنتظَر في عواصم القرار لا في الرياض وحدها.
ولا يمكن قراءة هذا المسار بمعزلٍ عن متابعة معالي الأستاذ ياسر الرميان، رئيس مجلس الأمناء ومحافظ صندوق الاستثمارات العامة، الذي ظلّ يقود دفّة المبادرة نحو آفاقٍ أرحب. وقد رأى في اختيار الأميرة مها مزيجاً نادراً من القيادة والرؤية والمنظور العالمي، يخدم رسالة المؤسسة في مرحلةٍ تتّسع فيها طموحاتها. والرسالة التي تتكرّر في كل محطّة من محطّات المبادرة واضحة: العمل المتواصل على مبادراتٍ عالمية تضع الإنسان في قلب معادلة التنمية، وتجعل من الاستثمار أداة لخدمته لا غاية في ذاتها.
ومن الإنصاف، ونحن نطوي صفحةً ونفتح أخرى، أن نتوقّف عند الدور الذي اضطلع به الأستاذ ريتشارد أتياس في تأسيس حضور المبادرة وبنائها لتصبح ما هي عليه اليوم. فالكثير من الزخم الذي تتمتّع به المنصة الآن إنما هو ثمرةٌ لسنواتٍ من العمل الدؤوب، ويبقى استمراره رئيساً للّجنة التنفيذية ضماناً لاستمرارية الرؤية وتراكم الخبرة، لا انقطاعاً عنها. وهذا في حدّ ذاته درسٌ في كيفية انتقال القيادة في المؤسسات الناضجة: تجديدٌ يحفظ ما بُني، لا قطيعةٌ تهدمه.
تبقى الإشارة الأخيرة إلى أنّ صاحبة السمو الملكي شاركت في كلمتها الافتتاحية في اليوم الثاني من قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار – أولوية أوروبا» التي تستضيفها روما في التاسع عشر من يونيو. وهي مناسبةٌ ستحمل دلالةً مضاعفة: حضور المملكة بثقلها في قلب أوروبا، وحضور المرأة السعودية متحدّثةً باسم منصةٍ عالمية أمام العالم. وفي المشهدين معاً عنوانٌ واحد يلخّص ما وصلنا إليه: إنّ التمكين الحقيقي لا يُقاس بالخطب التي تُقال عنه، بل باللحظات التي تتجسّد فيها امرأةٌ في موقع القرار، فتتحدّث، فيُصغي العالم.