ناصر بن فريوان الشراري
لم تكن المضايق المائية والبحار يوماً شديدة الاضطراب والهشاشة كما هي عليه اليوم، فبين عشية وضحاها وضعت التحديات اللوجستية وتقلبات حركة الشحن البحري سلاسل الإمداد العالمية في مهب الريح، مما أجبر الاقتصاد الدولي على دفع أثمان باهظة جراء تعطل المسارات الكلاسيكية، وفي هذا المنعطف التاريخي الحرج، تلتفت المنطقة مجدداً إلى «ثبات الأرض» وعمقها الإستراتيجي، ليس كمجرد بديل طارئ للأزمات، بل كإعادة صياغة شاملة للجغرافيا السياسية، ورسم ملامح جديدة للمصير الاقتصادي المشترك.
وفي هذا السياق، تأتي مذكرات التفاهم السككية واللوجستية التي وقّعها وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي «صالح الجاسر» ونظيره التركي وزير النقل والبنية التحتية «عبدالقادر أوغلو»، لتتجاوز في أبعادها حدود مشاريع النقل التقليدية، إنها في الجوهر إعلان عن استيقاظ واعٍ لروح «سكة حديد الحجاز» التاريخية التي أبصرت النور عام 1908، غير أن المقاربة هذه المرة تخرج تماماً من عباءة الماضي المحدود، فالقطار الذي كان بالأمس وسيلة محلية ينتهي مسارها عند أعتاب المدينة المنورة ودمشق، يعود اليوم كرؤية اقتصادية حيوية عابرة للقارات، تنطلق من موانئ الشرق في الدمام والرياض، لتتلاقى مع العصب النابض لـ»شبكة القطار الخليجية الموحدة عبر الصحراء السعودية».
ومن هذا المنطلق، تتجاوز الرؤية الاستراتيجية لهذا الخط حدود النقل البشري والتجاري التقليدي، لتطرح مفهوماً لوجستياً غير مسبوق في عالم الطاقة، إذ يُهيأ هذا الممر البري ليكون بديلاً آمناً ومستداماً لنقل المشتقات النفطية من دول الخليج العربي مباشرة نحو الأسواق العالمية عبر البحر الأبيض المتوسط هذا التحول المحوري، المدفوع بقاطرات سككية متطورة، يمنح منظومة الإمداد الدولية مرونة استثنائية، ويخلق مساراً برياً موازياً يضمن تدفق الطاقة دون الارتهان للتقلبات البحرية، الأمر الذي يُرسخ مكانة المملكة وشقيقاتها من دول الخليج كعمود فقري لأمن الطاقة العالمي عبر شبكات نقل متعددة الوسائط ومتكاملة الأبعاد.
وتتبدى عبقرية هذا الخط الجديد في قدرته الفائقة على الربط الديناميكي بين ثلاث كتل جغرافية واقتصادية ضخمة، حيث يرتكز هذا التحول اللوجستي الفارق على «منفذ الحديثة» السعودي، الذي يمثل البوابة الشمالية المحورية لمرور الشبكة نحو الحدود الأردنية، متقاطعاً في مساره مع الرؤية المستقبلية لـ»ميناء نيوم»، ليتحول هذا المسار برمتّه إلى جسر بري خارق يربط الأناضول بالخليج العربي.
إن تحويل هذه الدراسات، المتوقع استكمالها قبل نهاية العام الجاري، إلى واقع ملموس، هو بمثابة «غرزة» جيوسياسية محكمة تجمع ما فرّقته عواصف السياسة عبر العقود الماضية، ولن يقتصر أثر هذا المشروع العظيم على إنعاش التبادل التجاري والسياحي بين دول الخليج وشركائها فحسب، بل سيعلن للعالم بصوت واثق: أن الأرض حين تفتح شرايينها القديمة بأدوات المستقبل لتنقل النماء والطاقة، فإنها تصنع سلاماً مستداماً وازدهاراً حقيقياً يخدم البشرية جمعاء.