حوار - وائل العتيبي:
لا تنظر المخرجة السعودية لجين سلام إلى السينما بوصفها وسيلةً لسرد الحكايات فحسب، بل باعتبارها لغةً للتأمل، وفضاءً لطرح الأسئلة وإعادة اكتشاف الذات. وفي فيلمها القصير «صرخة نملة»، الذي عُرض ضمن برنامج «السينما السعودية الجديدة» في مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، ويشارك حاليًا في المسابقة الرسمية لمهرجان أفلام السعودية، تقدم تجربةً تراهن على الصورة والرمز أكثر من الحوار، وعلى الأثر الذي يبقى في ذهن المشاهد أكثر من الإجابات الجاهزة.
في هذا الحوار مع «الجزيرة»، تتحدث لجين سلام عن فلسفة الفيلم، ومعنى الحرية، وعلاقة الصورة بالكلمة، ومستقبل السينما السعودية، ولماذا تؤمن بأن أفضل الأفلام هي تلك التي تغادر شاشة العرض لتبدأ داخل المتلقي.
«صرخة نملة».. حين تبدو المعاناة الصغيرة بحجم العالم
س: لماذا اخترتِ عنوان «صرخة نملة»؟ وما الذي ترمز إليه النملة في هذا العالم السينمائي؟
ج: اخترت هذا العنوان لأنه يعكس الفكرة الجوهرية للفيلم؛ فمعاناتنا قد تبدو صغيرة في نظر الآخرين، لكنها بالنسبة لمن يعيشها قد تكون بحجم العالم كله. أما النملة، فهي ترمز إلى هشاشة الإنسان وصغره أمام الحياة، وإلى الصراعات الصامتة التي قد لا يلتفت إليها الآخرون، رغم أنها تحمل في داخلها عالماً كاملاً من الألم والرغبات والأسئلة.
«قد تبدو المعاناة صغيرة في نظر الآخرين.. لكنها بالنسبة لصاحبها عالمٌ كامل.»
السينما التي تطرح الأسئلة
س: تتركين مساحة واسعة للتأويل، هل يهمك أن يغادر المشاهد وهو يحمل أسئلة أكثر من الإجابات؟
ج: بالتأكيد. لا أؤمن بأن السينما مطالبة دائماً بتقديم رسائل مباشرة أو أجوبة جاهزة. ما يعنيني هو أن يخرج المشاهد وهو يعيد التفكير في ذاته وفي العالم من حوله. ولكل إنسان تجربته الخاصة مع الأسرة والحرية والبحث عن الذات؛ لذلك لا توجد قراءة واحدة صحيحة للفيلم، بل أرحب بتعدد التأويلات. بالنسبة لي، عندما يبقى الفيلم في ذهن المشاهد بعد انتهاء العرض، فهذه إحدى أجمل وظائف السينما.
«رؤى».. تجربة شخصية وأسئلة مشتركة
س: هل تمثِّل شخصية «رؤى» تجربة شخصية أم جيلاً كاملاً من الشباب السعودي؟
ج: انطلقت الشخصية من مساحة شخصية جداً، وكأنني أستكشف نسخة أخرى من نفسي، لكنها تعكس أيضاً أسئلة يعيشها كثير من الشباب اليوم، ولا سيما في ظل تصاعد النزعة إلى الفردانية. والفيلم لا يتحدث عن الاستقلال بوصفه غاية، بل عن البحث عن التوازن بين تحقيق الذات والحفاظ على الانتماء والعلاقات الإنسانية.
الصورة.. اللغة الأولى للسينما
س: اعتمدتِ على الصورة والرمز أكثر من الحوار المباشر، لماذا؟
ج: لأن السينما، في جوهرها، فن بصري. لا أعتقد أنني أثق بالصورة أكثر من الكلمات، لكن لكل وسيط لغته الخاصة. شخصياً، أشعر أن الصورة قادرة على التعبير عن مشاعر وأفكار يصعب اختزالها في الحوار، لذلك جاءت الرموز امتداداً للحوار، لا بديلاً عنه.
«الصورة تستطيع أحياناً أن تقول ما تعجز الكلمات عن التعبير عنه.»
الحرية.. مواجهة الذات لا الهروب
س: هل يناقش الفيلم الحرية أم ثمنها؟
ج: الفيلم لا يناقش الحرية باعتبارها غايةً مطلقة، بل يتساءل عن معناها الحقيقي. لم أرد أن أقدم الهروب بوصفه حلاً أو خطأً، وإنما كتجربة إنسانية تدفع الإنسان إلى اكتشاف ذاته. وأعتقد أن السلام الحقيقي لا يتحقق بالابتعاد عن الماضي، بل بمواجهته والتصالح معه، مع الحفاظ على روابطنا الإنسانية.
«الحرية لا تبدأ بالهروب.. بل بمواجهة الذات.»
الصدق أهم من البحث عن قضية جديدة
س: بعد «صرخة نملة»، هل هناك قضية تشعرين أن السينما السعودية لم تجرؤ بعد على مناقشتها؟
ج: لا أنطلق من فكرة البحث عن موضوع لم يُطرح من قبل، بل من الرغبة في سرد قصص أشعر بارتباط حقيقي بها. وأكثر الأفلام صدقاً، في رأيي، هي تلك التي تنبع من تجربة شخصية أو من سؤال يعيشه صانعها.
اختلاف التفسير.. جزء من نجاح الفيلم
س: إذا خرج الجمهور بتفسير مختلف تماماً عن نيتك، هل يُعد ذلك نجاحاً أم سوء فهم؟
ج: أراه نجاحاً. لا يهمني أن يصل الجميع إلى المعنى نفسه، بل إن يثير الفيلم شيئاً في داخلهم، وأن يدفعهم إلى التفكير والتأمل.
الأثر.. لا الإيرادات
س: لو خُيّرتِ بين فيلم يحقق أعلى الإيرادات وآخر يغيّر طريقة تفكير الناس، أيهما تختارين؟
ج: سأختار الفيلم الذي يترك أثراً ويمنح المشاهد منظوراً جديداً للأشياء، لأنني أؤمن بأن هذه إحدى أهم وظائف السينما.
الذكاء الاصطناعي.. أداة لا بديل
س: كيف تنظرين إلى تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل صناعة السينما؟
ج: سيكون له تأثير كبير في الجوانب التقنية والإنتاجية، لكنه لن يستطيع استبدال البعد الإنساني في الفن؛ لأن جوهر السينما يقوم على التجربة الإنسانية والرؤية الشخصية لصانع العمل.
رسالة حب اكتشفتها بعد العرض
س: هل تغيَّرت نظرتك للفيلم بعد عرضه أمام الجمهور؟
ج: نعم، وكانت أكثر اللحظات تأثيراً بالنسبة إليّ عندما شاهد والداي الفيلم. عندها أدركت أنني، من دون وعي، كنت أكتب رسالة حب لهما. وقد ذكّرتني هذه التجربة بأن السينما تمنحنا فرصة للتعبير عن مشاعر قد نعجز أحياناً عن البوح بها بالكلمات.
النقاش... أجمل من التصفيق
س: عندما تشاهدين الفيلم وسط جمهور من النقاد وصنَّاع السينما، هل تبحثين عن التصفيق أم عن النقاش؟
ج: التصفيق جميل، لكنه ليس غايتي. ما أبحث عنه حقاً هو النقاش، لأن استمرار الحوار يعني أن الفيلم ما زال حياً في أذهان الناس.
المهرجانات.. بداية الطريق
س: ماذا يعني لك عرض الفيلم في مهرجان البحر الأحمر ثم مشاركته في مهرجان أفلام السعودية؟
ج: أشعر بالفخر، لكنني لا أعتبر ذلك تتويجاً، بل بداية. لقد منحتني هذه التجربة دافعاً للاستمرار في صناعة أفلام تنطلق من أسئلة وتجارب أشعر بصدقها.
أي سينما نحتاج اليوم؟
س: هل نحتاج إلى مزيد من الأفلام التجارية، أم إلى أفلام تطرح أسئلة ثقافية وإنسانية؟
ج: أعتقد أننا بحاجة إلى أفلام تنبع من تجربة إنسانية صادقة، وتطرح أسئلة تبقى مع المشاهد بعد انتهاء العرض. كما أتمنى أن نرى مزيداً من الشخصيات النسائية المركبة، التي تُقدَّم بإنسانيتها الكاملة، بعيداً عن الصور النمطية.
أسئلة فضّلت عدم الإجابة عنها
- هل تخاطب بعض الأفلام السعودية المهرجانات أكثر مما تخاطب المجتمع؟
- ما أكثر ما ينقص السينما السعودية اليوم: النص، أم الجرأة، أم التمويل، أم التوزيع؟
خاتمة
من خلال هذا الحوار، تبدو لجين سلام أقرب إلى صانعة أسئلة منها إلى صانعة أجوبة. فهي ترى أن قيمة الفيلم لا تُقاس بما يفسره للمشاهد، بل بما يتركه في داخله من أثر وتأمل. وربما لهذا ينجح «صرخة نملة» في تجاوز حدود الفيلم القصير، ليصبح تعبيراً عن جيل سينمائي سعودي جديد، يؤمن بأن الصورة ليست مجرد أداة للحكي، بل لغة للتفكير، ووسيلة لإعادة اكتشاف الإنسان وهويته.