د. ياسين علي محمد عزي
في مساء ذلك اليوم، وبينما كنت منهمكًا في أحد مشاريعي البحثية، وقعت عيناي مصادفة على خبر عاجل نشرته إحدى المنصات الإخبارية السعودية عند الساعة الواحدة وأربعين دقيقة ظهرًا.
كان الخبر يقول بوضوح لافت: المملكة العربية السعودية تتصدر المرتبة الأولى بين دول مجموعة العشرين في مؤشر الأمان لعام 2025، فيما عبّر 97.7 % من الأفراد عن شعورهم بالأمان أثناء السير بمفردهم ليلًا في مناطق سكنهم.
توقفت عند العبارة طويلًا.
لم يكن الخبر مفاجئًا لي، ولا أظنه مفاجئًا لكل من يعيش على هذه الأرض الطيبة ويعرف معنى أن يمضي في طرقاتها مطمئنًا، ويسافر بين مدنها الشاسعة دون أن يسبق الخوف خطاه. لكن بعض النعم، مهما عشنا تفاصيلها الدقيقة، تحتاج أحيانًا إلى لحظة توقظ في داخلنا معناها الحقيقي، وكان هذا الخبر واحدًا من تلك اللحظات النادرة التي أعادت استدعاء المعنى العميق للأمن والأمان، وذكّرتنا بأن ما نعيشه يوميًا بوصفه أمرًا اعتياديًا، قد يراه العالم إنجازًا استثنائيًا يستحق التأمل.
فكرت لحظتها أن الأمن والأمان ربما كانا من أجلّ النعم التي لا يشعر الإنسان بكامل عظمتها إلا حين يفقدها. وفكرت أكثر أن هذه البلاد لم تمنح أبناءها ومقيميها مجرد استقرار، بل منحتهم شيئًا أعمق وأندر؛ إنها الطمأنينة التي تسكن القلوب.
وهنا شعرت أن المرور على هذا الخبر دون كتابة شيء عنه سيكون بمثابة جحود ونكران للنعمة؛ فبعض الأخبار لا يقرأها الإنسان بعينه فقط، بل يقرأها بوجدانه الوطني. لذلك لم يكن هذا المقال تعليقًا عابرًا على خبر متداول، بل شغفًا شخصيًا، وواجبًا وطنيًا في آن واحد.
فالأمن هو نداء الوطن في دواخلنا، والنعمة التي نفخر بها لا لأنها تُذكر اليوم منجزًا عالميًا نفخر ونفاخر به على رؤوس الأشهاد، بل لأنها باتت ثقافة تُعاش في كل صوب؛ في الطرقات، والبيوت، والمطارات، والمدن، وكل تفاصيل حياتنا اليومية.
ليست قيمة الأمان في أن يُقال عن وطنٍ إنه آمن، بل في أن ينسى الإنسان الخوف وهو يمارس حياته. أن يخرج ليلًا دون أن يستدعي القلق. أن يسافر من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن الشرق إلى الغرب، دون أن يكون هاجسه الأول: أين أوراقي؟ وماذا لو تعطل الطريق؟ ومن أين يبدأ الاطمئنان إذا غاب النظام؟
في السعودية، يتحرك الإنسان في وطن واسع المساحة، متعدد المدن والطرق والمواسم، وهو يشعر أن خلف خطواته نظامًا لا يراه، لكنه يحميه. وهنا لا يكون الأمن شعارًا، بل يصبح بيئة وثقافة كاملة للحياة.
في زخم كل هذا تتجلى التجربة السعودية في أعمق صورها؛ فالمملكة لم تعد تقدم نفسها بوصفها دولة آمنة فحسب، بل بوصفها دولة جعلت الأمان جزءًا من هندسة الحياة اليومية، ومن بنية الدولة الحديثة، ومن العقد العميق بين القيادة والإنسان والوطن.
هناك فرق جوهري بين أن تعيش دولة حالة أمن، وأن تصنع ثقافة أمان. الأولى قد تنتج عن ظرف عابر أو توازن مؤقت، أما الثانية فلا تقوم إلا على تراكم طويل من الحكم الرشيد، والثقة المؤسسية، واليقظة الصامتة، والتخطيط الذي لا ينتظر الأزمة حتى يبدأ التفكير فيها.
ومن يعش في السعودية يدرك أن الأمان هنا ليس فكرة نظرية، بل تفاصيل صغيرة تتكرر كل يوم حتى تكاد تخفي عظمتها من فرط اعتيادها.
يمشي الإنسان بعد منتصف الليل في مدينة هادئة، فلا يشعر أنه يغامر. تقود الأسرة سيارتها لمسافات شاسعة بين المناطق، فلا يبدو الطريق سفرًا محفوفًا بالقلق. ينتقل المواطن والمقيم بين المدن، ويعبران الخدمات والمطارات والطرق والمنافذ بهوية رقمية وخدمات مترابطة، حتى لم تعد الوثيقة الشخصية، كما هو الحال في كثير من دول العالم، مصدر قلق دائم يسبق الإنسان في تفاصيل حركته اليومية.
في دول شتى لا يزال المسافر يبدأ رحلته بالقلق من الوثيقة قبل الوجهة؛ يخشى نسيان بطاقة، أو تعطل إجراء، أو توقف خدمة، أو طول انتظار أمام نافذة لا يعرف كيف تنتهي. أما في السعودية، فقد انتقلت علاقة الإنسان بالدولة إلى مستوى مختلف؛ هاتفه يحمل هويته، وخدماته، ومواعيده، وتصاريحه، وبياناته، في نموذج رقمي لا يختصر الوقت فقط، بل يختصر الخوف أيضًا.
ذلك هو الأمن في صورته النفسية العميقة.
فالأمان ليس غياب الجريمة وحدها، بل حضور الطمأنينة. وليس كثرة الأنظمة فقط، بل أن يشعر الإنسان أن النظام يعمل من أجله، لا فوقه. وليس أن تكون الشوارع مراقبة فحسب، بل أن تكون الحياة نفسها مهيأة كي يتحرك الإنسان فيها بثقة.
ولهذا لا تبدو المؤشرات الدولية مفاجئة لمن يعرف الداخل السعودي. فقد جاءت المملكة في المركز الخامس عالميًا في مؤشر جالوب العالمي للسلامة لعام 2025، حيث عبّر 93 % من السكان عن شعورهم بالأمان عند المشي ليلًا بمفردهم. كما حلّت ضمن العشرين الأولى عالميًا، في المركز الرابع عشر، في مؤشر نومبيو للسلامة لعام 2025، متقدمة على دول كبرى مثل بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا.
هذه الأرقام لا تصنع الحقيقة، بل تؤكدها. إنها تمنح لغة رقمية لما يعرفه المواطن والمقيم والسائح من خلال التجربة اليومية.
والأجدر بالتأمل أن هذه الطمأنينة في السعودية لم تعد شعورًا عامًا فضفاضًا، بل أصبحت حالة اجتماعية يمكن قياسها بدقة داخل أكثر الفئات حساسية تجاه مفهوم الأمان نفسه.
فوفق البيانات الإحصائية المعلنة حديثًا، عبّر 97.7 % من الأفراد في المملكة عن شعورهم بالأمان عند السير بمفردهم ليلًا في مناطق سكنهم. والأكثر دلالة أن النسبة بلغت 94.9 % لدى النساء، و97.2 % لدى كبار السن بين عمر الستين والرابعة والستين.
هذه ليست أرقامًا مجردة، بل مؤشر حضاري بالغ العمق؛ لأن المجتمعات لا تقاس فقط بمدى قدرتها على حماية الناس، بل بقدرتها على أن تجعل الفئات الأكثر حاجة للشعور بالأمان تمارس حياتها اليومية بثقة كاملة وطمأنينة راسخة.
وحين تصل المرأة وكبير السن في أي مجتمع إلى هذا المستوى العالي من الإحساس بالأمان، فإن ذلك يعني أن الدولة لم تنجح فقط في إدارة الأمن بوصفه جهازًا، بل نجحت في صناعة الأمان بوصفه ثقافة اجتماعية متجذرة في تفاصيل الحياة نفسها.
ويبقى الاختبار الأكبر لأي دولة ليس في اليوم العادي، بل في اليوم الاستثنائي. وهنا تقف المملكة أمام العالم بتجربة لا تشبه غيرها وهي بكل تأكيد تجربة الحج.
ففي موسم حج 1447هـ/ 2026، استقبلت المملكة 1,707,301 حاج وحاجة، منهم 1,546,655 من خارج المملكة، ثم أدارت حركتهم وسلامتهم وصحتهم وتنقلهم وخدماتهم في نطاق زمني ومكاني بالغ الحساسية؛ فذلك ليس تنظيم موسم فحسب، بل إعلان سنوي مستمر عن كفاءة دولة ونجاح قيادة سعودية ملهمة.
في الحج لا يختبر الأمن بوصفه جهازًا فقط، بل بوصفه منظومة كاملة متكاملة: أمن، صحة، نقل، تفويج، إسعاف، تقنية، منافذ، متطوعون، إدارة حشود، واستشعار دائم بأن كل حاج هو مسؤولية وطنية وأخلاقية قبل أن يكون رقمًا في خطة تشغيلية.
ولا تبدو إدارة الحج مجرد تنظيم موسم، بل منظومة وطنية كبرى تتكامل فيها القطاعات الأمنية والصحية والخدمية والنقل والتقنية وإدارة الحشود، عبر مستشفيات ومراكز صحية وطواقم ميدانية ومنظومات تشغيلية متقدمة، في مشهد يعكس قدرة الدولة على تحويل خدمة ضيوف الرحمن إلى معرفة مؤسسية متراكمة.
ولعل جائحة كورونا عام 2020 قد كشفت جوهر هذه الفلسفة السعودية في واحدة من أكثر لحظات العالم اضطرابًا. ففي الوقت الذي كان العالم يتلمس طريقه تحت ضغط المفاجأة، اتخذت المملكة قرارًا مبكرًا بتعليق الدخول لأغراض العمرة وزيارة المسجد النبوي للقادمين من خارج المملكة في 27 فبراير، قبل إعلان منظمة الصحة العالمية كوفيد-19 وباءً عالميًا في 11 مارس.
لم يكن القرار سهلًا؛ فالدولة التي استقبلت في موسم حج 2019 نحو مليونين ونصف المليون حاج، وجدت نفسها بعد أشهر قليلة أمام قرار غير مسبوق في التاريخ الحديث، حين اقتصر حج عام 2020 على نحو عشرة آلاف حاج فقط من داخل المملكة، في تقليص قارب 99.6 % من العدد المعتاد.
كان ذلك قرارًا صعبًا، لكنه كان قرار الدولة حين تضع الإنسان أولًا. وكان نتاجه أنه مع انتهاء الموسم، أعلنت وزارة الصحة خلو المشاعر المقدسة من حالات الإصابة بكوفيد-19، وعدم تسجيل أي إصابة بين الحجاج. ولم تقف المسألة عند حدود التنظيم الصحي؛ فقد تكفلت الدولة بكامل تكاليف ونفقات الحج والحجاج، بما شمل الوجبات والإقامة والرعاية الصحية.
ولم يكن شعار ذلك الموسم «بسلام آمنين» عبارة تنظيمية فحسب، بل كان ترجمة دقيقة لفلسفة دولة كاملة؛ دولة تعرف أن الأمان ليس ما يحدث بعد زوال الخطر، بل ما يُصنع قبل أن يصل الخطر إلى الإنسان.
بهذا المعنى يبدو الأمن السعودي مختلفًا. فهو لا يعمل في الواجهة وحدها، بل في العمق. لا يكتفي بمنع الخطر، بل يصنع شروط الطمأنينة قبله. لا ينتظر الازدحام حتى يديره، بل يخطط له قبل أن يتشكل. لا يتعامل مع الإنسان كحالة عابرة في نظام، بل كغاية النظام وروحه.
في العالم الحديث، لم يعد الأمن قيمة اجتماعية فقط، بل أصبح رأس مال استراتيجيًا. المستثمر لا يبحث عن الفرصة وحدها، بل عن البيئة التي تحمي الفرصة. والسائح لا ينجذب إلى الجمال وحده، بل إلى المكان الذي يمنحه حرية الحركة دون توتر. والمقيم لا يختار بلدًا لأنه يعمل فيه فقط، بل لأنه يستطيع أن يعيش فيه مطمئنًا على نفسه وأسرته ومستقبله.من هنا تصبح الطمأنينة جزءًا من قوة الدولة الناعمة، وجزءًا من جاذبيتها الاقتصادية، وجزءًا من صورتها العالمية.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يحصل ملف استضافة المملكة لكأس العالم 2034 على أعلى تقييم فني في تاريخ ملفات الاستضافة لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم. فالدولة التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الحشود الأكبر والأكثر حساسية وتعقيدًا في العالم، لا تدخل المستقبل من بوابة الطموح وحده، بل من بوابة الخبرة.
الحج والعمرة، بهذا المعنى، ليسا فقط شرفًا دينيًا عظيمًا، بل مدرسة سعودية كبرى في إدارة الإنسان والمكان والزمن وهاجس الخطر.
المتأمل في هذه المؤشرات وقيمتها الحقيقية يدرك مليًا أن التفوق السعودي في الأمن لم يكن نتاج المصادفة أو تراكم الزمن وحده، بل نتيجة مشروع مؤسسي بالغ الدقة؛ مشروع استثمر في بناء منظومات أمنية حديثة، من تطوير منصة «أمن»، ومراكز الشرطة الرائدة، ومركز العمليات الأمنية الموحدة 911، إلى توحيد تصنيف الجريمة، وتسخير تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الحديثة لتعزيز العمل الأمني الميداني، ورفع سرعة الاستجابة للبلاغات، وتطوير الحملات الأمنية الاستباقية.
ونحن هنا أمام دولة قررت أن تجعل الأمن علمًا، والتقنية شريكًا، والاستباقية منهجًا دائمًا في حماية الإنسان.
ما يحدث في السعودية اليوم لا يمكن اختزاله في عبارة عابرة عن الأمن. إنه تحول في معنى الدولة نفسها؛ دولة تجعل التقنية في خدمة الثقة، والمؤسسة في خدمة الإنسان، والتنمية في حماية الاستقرار، والاستقرار في خدمة المستقبل.
لقد آمنت القيادة الرشيدة، منذ وقت مبكر، أن الأمن ليس ملفًا منفصلًا عن التنمية، وأن الأمان ليس إحساسًا فرديًا عابرًا، بل شرط من شروط النهضة، وأساس من أسس الرؤية، وروح من أرواح التحول الوطني. لذلك لم يبق الأمن في المملكة إجراءً رسميًا فحسب، بل صار ثقافة واقفة على قدميها؛ تراها في يقظة الجندي، ووعي المواطن، واحترام المقيم، وانضباط المؤسسة، وطمأنينة الطريق.
وقبل كل شيء.. شكرًا لله أولًا، الذي أنعم على هذه البلاد المباركة بنعمة الأمن والأمان والاستقرار؛ وهي من أعظم النعم التي لا يعرف الإنسان قيمتها كاملة إلا حين يرى العالم من حوله كيف يفتقدها.
اللهم احفظ هذه الأرض الطيبة، وأدم عليها أمنها واستقرارها ورخاءها إلى يوم يبعثون. وشكرًا لقيادة جعلت الأمن أمانة، والأمان مشروع وطن.
وشكرًا لجنودنا البواسل، أولئك الذين يقفون بصمت حيث لا نراهم، كي يبقى الوطن عاليًا في سماء العز والمجد حيث نراه جميعًا.
وشكرًا لكل مواطن ومقيم على هذه الأرض المباركة؛ لأن الأوطان الآمنة لا تصنعها الأنظمة وحدها، بل يصنعها أيضًا وعي المجتمع وإحساس الجميع بأن الطمأنينة مسؤولية مشتركة.
وشكرًا للمنابر الوطنية التي ما تزال تؤمن بأن للكلمة الجادة دورها في بناء الوعي، وفي مقدمتها صحيفة «الجزيرة»، التي لم تكن يومًا مساحة للنشر فحسب، بل نافذة اعتادت أن تمنح الفكرة مكانها حين تكون بحجم الوطن، وأن تتيح للتأمل الصادق أن يجد طريقه من خاطرة ولدت امتنانًا.. إلى مقال يرى في الأمان نعمةً تُعاش قبل أن تُقال، وتُستشعر قبل أن تُقاس.
وأخيرًا، وليس آخرًا، شكرًا لمن غرست في داخلي أمن الكلمة؛ فالبيت المطمئن هو الحاضنة الأولى للفكر، ودرع القلم، ومداد المعنى. ومن لم يتذوق السكينة في بيته وقلبه، يعجز أن يكتب يومًا عن وطنٍ جعل الطمأنينة أسلوب حياة.
لأن بعض الأوطان لا نكتب عنها بوصفها موضوعًا..
بل نكتب عنها لأننا نحبها.
وهذه هي السعودية..
وطنٌ لم يجعل الأمن خدمةً تُقدَّم للإنسان فحسب، بل جعل الطمأنينة أسلوب حياة، والأمان مكوّنًا راسخًا في هويته.
ولهذا لم يكن الأمان هنا صدفة..
لقد كان دائمًا.. صناعة وطن.