مهدي آل عثمان
تظل السياسة الأمريكية تجاه إيران واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في الشرق الأوسط، ليس بسبب تعقيد العلاقة بين واشنطن وطهران فحسب، بل بسبب النتائج التي ترتبت على هذه السياسة طوال عقود من الشد والجذب، والعقوبات والمفاوضات، والتصعيد والتهدئة، دون الوصول إلى حسم واضح ينهي مصادر التوتر أو يوقف تمدد النفوذ الإيراني عبر أذرعه في المنطقة.
من هنا يبرز الاستفهام هل أخفقت الولايات المتحدة في فهم طبيعة النظام الإيراني وعقيدته السياسية، أم أنها تدرك ذلك جيداً لكنها تتعامل معه ضمن إستراتيجية تبقي المنطقة في حالة توتر مستمر. وهذا الاستفهام لا يستهدف شخص الرئيس الأمريكي وحده، فالرئيس في النظام الأمريكي لا يصنع القرار منفرداً، بل تقف خلفه مؤسسات سياسية وأمنية وعسكرية واستخباراتية ومراكز دراسات وخبراء في شؤون الشرق الأوسط. لذلك يصعب التسليم بأن واشنطن تجهل طبيعة النظام الإيراني أو أدواته أو طريقته في إدارة الصراع.
لقد أثبتت التجارب أن إيران لا تتحرك في محيطها الإقليمي بمنطق الدولة التقليدية كسائر الدول، بل بمنطق مشروع سياسي وعقائدي عابر للحدود، يقوم على بناء النفوذ من خلال الأذرع والجماعات المسلحة، واستثمار الأزمات الداخلية في بعض الدول، وتحويلها إلى أوراق ضغط تستخدمها في المساومة والتفاوض. وهذا ما ظهر في لبنان واليمن وسوريا سابقاً والعراق، حيث تحولت بعض الساحات العربية إلى مناطق نفوذ وصراع مفتوح، تدفع شعوبها ثمنه من أمنها واستقرارها وتنميتها.
ومع وضوح هذا النهج الإيراني، يصبح استمرار السياسة الأمريكية المترددة محل تساؤل. فهل عجزت واشنطن فعلاً عن قراءة العقل السياسي الإيراني، أم أنها وجدت في هذا الواقع المضطرب فرصة لوجودها في المنطقة وفق مصالحها. إن بقاء التوتر دون حسم، مع الاستمرار في العقوبات، والعودة المتكررة إلى طاولة المفاوضات دون نتائج نهائية، كلها مؤشرات تجعل المراقب أمام احتمال أن الأزمة لا تدار بهدف إنهائها بقدر ما تدار بهدف التحكم في مساراتها.
ولا يمكن تجاهل البعد الإسرائيلي في هذا المشهد، فإسرائيل هي المستفيد الأكبر من استمرار في بقاء المنطقة منشغلة بملفات الصراع والتوتر. فكلما تصاعد الخطر الإيراني، وجدت إسرائيل مساحة أوسع لتبرير سياساتها الأمنية والعسكرية، سواء في فلسطين أو لبنان أو سوريا أو العراق أو اليمن. كما أن استمرار حالة الاضطراب يمنحها قدرة أكبر على التحرك السياسي والعسكري تحت غطاء الدفاع عن النفس ومواجهة التهديدات.
من جهة أخرى تبدو الولايات المتحدة وكأنها تمارس سياسة مزدوجة، فهي تعلن رفضها للتمدد الإيراني، لكنها في الوقت ذاته لا تتجه إلى حسم جذري لهذا الملف. تفرض العقوبات، ثم تفتح قنوات التفاوض. تلوح بالقوة، ثم تعود إلى الحلول المؤقتة. تنتقد الأذرع المسلحة، لكنها لا تضع نهاية واضحة لدورها. وهذه السياسة المتذبذبة لا تنتج استقراراً، بل تبقي المنطقة معلقة بين الحرب والسلام، وبين التصعيد والتهدئة.
إن المشكلة الكبرى أن شعوب ودول المنطقة هي التي تدفع ثمن هذه الحسابات. فالتوتر المستمر يستهلك الموارد، ويعطل التنمية، ويفتح الباب أمام التدخلات الخارجية، ويمنح الجماعات المسلحة مساحة للبقاء والتأثير. وفي الوقت الذي تتجه فيه دول الخليج إلى مشاريع تنموية كبرى، وتعمل على بناء اقتصاد المستقبل، تبقى الحاجة ملحة إلى بيئة إقليمية مستقرة لا تتحكم فيها صراعات الوكالة ولا الحسابات الدولية الضيقة.
وقد تعاملت دول الخليج العربي مع هذه التحولات بحكمة واتزان، فاختارت طريق التنمية والاستقرار، وسعت إلى بناء علاقات متوازنة، مع التأكيد على حماية أمنها وسيادتها. غير أن الحكمة لا تعني التهاون، والاتزان لا يعني القبول باستمرار التهديد. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى بعد نظر وحكمة في التعامل مع هذا الملف، بما يحفظ أمن الخليج واستقرار المنطقة، ويوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات التهدئة.
في المحصلة، لا يبدو السؤال الاستفهام الحقيقي هل تجهل أمريكا إيران، بل السؤال الأعمق، هل تريد أمريكا فعلاً إنهاء الأزمة مع إيران، أم أنها تفضل إدارتها بما يحقق مصالحها الإستراتيجية فحسب، إن الإجابة عن هذا الاستفهام تكشف الكثير من خفايا المشهد. فإذا كان الأمر سوء تقدير، فذلك خلل في قراءة المنطقة. وإذا كان استراتيجية مقصودة، فذلك مكمن الخطر، لأن ذلك يجعل أمن المنطقة والشرق الأوسط ورقة في لعبة المصالح الكبرى التي قد تحمل متغيرات غير متوقعة، تجعل كثيراً من رهانات رؤساء الدول الكبرى وحساباتهم السياسية محل مراجعة، وقد تأتي تطوراتها بما يخالف توقعاتهم.
وبين سوء التقدير والإستراتيجية المقصودة، تبقى المنطقة بحاجة إلى موقف عربي وخليجي واع، لا ينتظر حلولاً من الخارج، ولا يسمح بأن يكون أمنه واستقراره رهينة لحسابات واشنطن أو طهران أو تل أبيب. فالسلام الحقيقي لا تصنعه المساومات المؤقتة، بل تصنعه إرادة واضحة تحترم سيادة الدول، وتوقف تدخلات الأذرع المسلحة، وتمنح شعوب المنطقة حقها في الأمن والتنمية والاستقرار.