فائز بن سلمان الحمدي
التخبيب ليس لفظةً تُرمى ثم تتبدد، ولا رأيًا عابرًا يُلقى ثم ينطوي أثره، بل هو يدٌ خفيَّة تمتد إلى أقدس ما في الحياة بعد الدين؛ إلى بيتٍ شُيِّد على السكينة والمودة والرحمة، فتدسُّ معولها في دعائمه، ثم تنصرف، مخلفةً وراءها ركامًا من القلوب المنكسرة، ودموعًا حرَّى على الخدود، وأطفالًا تاهت عنهم الطمأنينة وضاع منهم دفء الأسرة.
وما أكثر البيوت التي لم يُوهِن بنيانَها الفقر، ولم تُقوِّض أركانَها النوائب، ولم تُطفئ سراجَها تقلبات الأيام، وإنما أودى بها كلمةٌ!
كلمةٌ انطلقت من لسان امرأةٍ إلى أذن أخرى، ثم عادت قائلتُها إلى مضجعها هانئةَ النفس، بينما كانت تلك الكلمة في بيتٍ آخر شرارةً مستعرةً تأتي على ما شُيِّد في أعوامٍ من الألفة والوئام.
كم من زوجةٍ كانت ترى في زوجها حصنًا وملاذًا، فلما أصغت إلى مُخبِّبةٍ سمعت: «أترضين بهذا؟! لو كنتُ مكانكِ لما احتملتُ ولا صبرتُ». وكم من امرأةٍ كانت تتجاوز الزلة وتصفح عن الهفوة، حتى قيل لها: «إنكِ مغبونة، وإن غيركِ أهنأ عيشًا منكِ»، فعادت من مجلسها تنظر إلى بيتها بعينٍ مستعارة، وإلى زوجها بقلبٍ غير القلب الذي ألفته.
وهل تُهدَم البيوت إلا حين تُصوَّر الهفوات جنايات، وتُنفخ الصغائر حتى تغدو كالطود العظيم، وتُنسى سنون المودة لأجل ساعة غضبٍ أو نزوة انفعال؟
إن المخبِّبة لا تُبصر آثار كلماتها؛ لا ترى طفلًا يتشبث بأبيه وهو يغادر الدار مثقلًا بالحزن، ولا فتاةً تذرف الدموع في جوف الليل إذ تسمع شقاق والديها، ولا امرأةً كانت تنام آمنةً في كنف بيتها فأصبحت غريبةً في منزل أهلها، تُقلِّب طرفها في أطلال عمرٍ مضى. إنها لا ترى ذلك، ولكن الله يراه، وقد قال سبحانه: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}.
أيحسب المخبِّب أن الكلمة إذا خرجت من فيه مات أثرها؟ كلا، بل ربما عاشت سنين، تُفرِّق بين زوجين، وتُشتِّت ذريةً، وتقطع أواصر القربى، ثم يلقى صاحبها ربَّه مثقلًا بأوزارٍ لم يشهد مآسيها، غير أنه كان باعثها الأول وشرارتها الأولى. ولذلك جاء الوعيد النبوي زاجرًا مروِّعًا: «ليس منا من خبب امرأةً على زوجها». فأيُّ تهديدٍ أشد من أن يُنفى المرء عن هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسمته؟ ذلك أن التخبيب ليس خصومةً عارضة، بل عدوانٌ على الأسرة، وطعنٌ في الميثاق الغليظ الذي جعله الله بين الزوجين.
وإن من أعجب شؤون التخبيب أن سهامه كثيرًا ما تنطلق من أقرب الناس؛ فكم من أمٍّ أرادت الانتصار لابنتها فكانت أول من صدع بنيان بيتها! تُهوِّل الزلة، وتُزيِّن الفراق، وتقول: «عودي إلينا، فالدنيا ملأى بالرجال»، وما تدري أن قلب ابنتها قد لا يجد بعد ذلك البيت مأوًى، ولا بعد ذلك الزوج سكنًا.
وليس التخبيب دائمًا دعوةً صريحةً إلى الفراق، بل قد يكون همسًا خفيًّا، ونقلًا للأخبار، وإشاعةً تُردَّد، وكلمةً تُلقى في ساعة غفلة. وربما ظنت صاحبتها أنها لم تصنع شيئًا، وهي في الحقيقة تدسُّ الشك في قلبٍ آمن، وتستخرج الريبة من صدرٍ مطمئن، فلا تزال تنكت في القلب نكتةً سوداء إثر نكتة، حتى يذبل غصن المودة، وتخبو جذوة الرحمة، وتتصدع الثقة التي كانت تُظلِّل البيت. فما الذي يدفع امرأً إلى أن يحمل معول الهدم إلى بيتٍ لم يَبْنِه، وأن ينفث سمَّه في قلبٍ لم يذق وجعه؟ أيُّ لذةٍ يجدها حين يرى زوجين قد انفرط عقد مودتهما، وطفلًا قد بات يترقب عودة أبيه فلا يراه، وامرأةً كانت بالأمس آمنةً في ظل بيتها فأصبحت تتلفت في ركام عمرها، تجمع من الذكريات ما لا يعيد إليها سكينةً ولا يرد إليها مودةً؟ وأيُّ ربحٍ يُرتجى من كلمةٍ تُلقى في الخفاء، ثم تمضي في القلوب عمل السهام في النحور، حتى تنكت فيها نكتةً سوداء إثر نكتة، فلا يبقى فيها صفاءٌ لمودة، ولا متسعٌ لعذر، ولا موضعٌ لثقة؟
أترى المخبِّب إذا أُطفئت سُرُجُ بيتٍ بكلمةٍ من لسانه، وتفرقت أسرةٌ بسبب همسه، وتعلقت في عنقه دموعُ امرأةٍ، وزفراتُ رجلٍ، وحرقةُ أطفالٍ، أنه ينجو من تبعات ذلك؟ كلا، فكم من كلمةٍ نام صاحبها عنها، وبقيت عند الله صحيفةً مفتوحة، لا يطويها النسيان، ولا تسقط بالتقادم.
فيا من تُفسدين بين الزوجين، هل تذكرتِ يوم يقف الخصوم بين يدي الديان؟ يوم تأتي المرأة المفجوعة، والزوج المنكسر، والطفل الذي حُرم دفءَ أسرته، فيقولون: يا رب، هذه هي التي أفسدت بيننا. فبأي حجةٍ تعتذرين؟ وبأي جوابٍ تلقين الله وقد قال سبحانه: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا}؟
إن البيت المسلم ليس جدرانًا قائمةً وسقفًا مرفوعًا، بل هو وطنُ أرواح، وموئلُ قلوب، ومهدُ أجيال. فإذا تهدَّم بيتٌ، تهدمت معه أحلام، وتكسرت نفوس، وتبددت آمال.
فطوبى لمن دخل بين الزوجين مصلحًا، يُطفئ جذوة الشقاق، ويجمع شتات القلوب، ويستر الزلات، ويُذكِّر بالنعم، ويقول للغاضب: تمهَّل، وللحانق: اعفُ واصفح، وللمتخاصمين: اتقيا الله.
أما المخبِّب، فليتذكر أن البيوت تُشاد في أعوام، وقد تهدمها كلمة، وأن القلوب قد تنسى كثيرًا من الأذى إلا كلمةً كانت منشأ شقائها. فليتقِ اللهَ كلُّ لسانٍ ينقل، وكلُّ أذنٍ تُصغي، وكلُّ قلبٍ يُحرِّض؛ فرب كلمةٍ استهان بها صاحبها كانت سببًا في خراب دار، وتمزيق أسرة، وإبكاء أطفال، وكانت عند الله عظيمة.
فويلٌ لكِ إن جعلتِ لسانكِ معولًا تهدمين به السكينة، وجعلتِ رسائلَ وسائلِ التواصل سهامًا مسمومةً تطعنين بها المودة، وهمساتكِ نارًا تقدحين بها في بيوت الآمنين؛ فإن الخصوم يوم القيامة ليسوا كلماتٍ تُنسى ولا رسائلَ تُمحى، بل نساءٌ مفجوعات، ورجالٌ مكسورو الخاطر، وأطفالٌ يحملون أنقاض أعمارهم، ويقولون: يا رب، هذه التي أفسدت بيننا، وهذه التي فرَّقت شملنا، وهذه التي نزعت من بيوتنا السكينة والرحمة.