د. عبدالمحسن الرحيمي
مع بداية الإجازات الصيفية، سيجلس كثير من الناس أمام خرائط العالم بحثًا عن وجهتهم المقبلة. وقد يبدو الأمر في ظاهره اختيارًا بين مدينة وأخرى، أو بين مناخ وآخر، أو بين تجربة سياحية وأخرى، إلا أن ما يحدث في العمق أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير. فاختيار الوجهة لم يعد قرارًا يتعلق بالمكان وحده، بل أصبح يعكس شيئًا من طريقة نظر الإنسان إلى العالم، والأسئلة التي تشغله، ونوعية التجارب التي يشعر أنها تستحق أن تكون جزءًا من رحلته الشخصية.
قبل عقود قليلة، كان السفر يبدأ حين تغادر الطائرة أرض المطار. أما اليوم فإن الرحلة تبدأ قبل ذلك بزمن طويل. تبدأ حين يبحث الإنسان، ويقرأ، ويقارن، ويتأمل الخيارات المتاحة أمامه. وقبل أن يشتري تذكرته يكون قد شاهد شوارع المدينة التي ينوي زيارتها، وقرأ شيئًا من تاريخها، وتعرف إلى جانب من ثقافتها، واستمع إلى تجارب من سبقوه إليها. ولم تعد المسافة هي الحاجز الأكبر بين الإنسان والعالم، بل أصبح التحدي الحقيقي في اختيار أي جزء من هذا العالم يستحق الاقتراب منه.
وهنا يكمن التحول الأهم الذي يميز عصرنا. فالأجيال السابقة كانت تكتشف العالم بعد الوصول إليه، أما الإنسان المعاصر فأصبح يختار العالم الذي يريد اكتشافه قبل أن يغادر منزله. وبين الحالتين فرق يتجاوز السفر نفسه، لأنه يتعلق بعلاقة جديدة بين الإنسان والمعرفة، وبين الفضول والاختيار، وبين الحرية والمسؤولية.
فالاختيارات ليست محايدة كما نتصور أحيانًا. والوجهات التي تستوقفنا لا تأتي دائمًا من فراغ. هناك من ينجذب إلى المدن التي تحمل ذاكرة تاريخية طويلة، وهناك من يبحث عن تجارب إنسانية مختلفة، وهناك من تستهويه البيئات التي أنتجت نماذج ناجحة في التعليم أو الإدارة أو الابتكار، وهناك من يبحث ببساطة عن فرصة ليرى العالم من زاوية لم يعتد النظر منها. وفي كل هذه الحالات لا يكون السفر مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل يصبح انعكاسًا لأسئلة داخلية يحملها الإنسان معه أينما ذهب.
ولهذا لا تكشف الرحلات عن العالم فقط، بل تكشف عن أصحابها أيضًا.
فالإنسان يختار أحيانًا وجهاته كما يختار كتبه. ويقترب من بعض التجارب كما يقترب من بعض الأفكار. وما يثير فضوله في الجغرافيا ليس بعيدًا عما يثير فضوله في الحياة. ولهذا فإن بعض الرحلات تخبرنا عن المسافر أكثر مما تخبرنا عن المكان الذي زاره.
وعندما نتأمل تاريخ الحضارة الإنسانية نجد أن أكثر لحظات الازدهار لم تولد من الانغلاق، بل من التفاعل. فالحضارات التي تركت أثرًا طويلًا في التاريخ لم تكن تلك التي أغلقت أبوابها، بل تلك التي امتلكت القدرة على التعلم والاستفادة من تجارب الآخرين دون أن تفقد شخصيتها. وما عبر البحار والصحارى لم يكن البضائع وحدها، بل الأفكار والعلوم والخبرات وطرائق التفكير. ولهذا فإن التقدم الإنساني في جوهره قصة طويلة من التعارف والتبادل والتأثير المتبادل بين الشعوب.
ومن اللافت أن الإنسان لا يكتشف الآخرين فقط عندما يسافر، بل يكتشف نفسه أيضًا. فحين يخرج من بيئته المعتادة، ويرى كيف يعيش الآخرون، وكيف يفكرون، وكيف ينظمون تفاصيل حياتهم، تبدأ كثير من المسلمات القديمة في إعادة تقديم نفسها بصورة مختلفة. وبعض القناعات لا تتغير، لكنها تصبح أكثر نضجًا. وبعض الأفكار لا تسقط، لكنها تتسع. وبعض الانتماءات لا تضعف، بل تصبح أكثر وعيًا بنفسها.
ولهذا فإن الاحتكاك بالثقافات المختلفة لا يمثل تهديدًا للهوية كما يعتقد البعض، لأن الهوية الواثقة لا تحتاج إلى العزلة كي تحافظ على نفسها. وما يخشاه الضعف لا تخشاه الثقة. والإنسان الذي يعرف من يكون لا يرى في التعرّف إلى الآخرين خطرًا عليه، بل فرصة لفهم أعمق للعالم ولذاته في الوقت نفسه.
لكن ثمة فكرة أخرى تبدو أكثر ارتباطًا بعنوان هذا المقال.
الأخلاق لا تبدأ عند الوصول إلى الوجهة، بل تبدأ عند اختيارها.
فطريقة اقترابنا من العالم تحمل في داخلها بعدًا أخلاقيًا لا ننتبه إليه كثيرًا. هناك فرق بين من يسافر ليتعلَّم ومن يسافر ليحكم. وبين من يقترب من ثقافة أخرى بدافع الفضول الإنساني ومن يقترب منها محملًا بالأحكام المسبقة. وبين من يبحث عن فهم جديد ومن يبحث فقط عن تأكيد ما يؤمن به مسبقًا.
فالاحترام لا يبدأ عند المصافحة الأولى، بل يبدأ قبل ذلك بكثير. يبدأ عندما نعترف بحق الآخرين في أن تكون لهم تجارب مختلفة، ورؤى مختلفة، وطرائق مختلفة في فهم الحياة. ويبدأ عندما يكون هدف المعرفة هو الفهم لا التصنيف، والتعلّم لا التعالي، والحوار لا إصدار الأحكام.
ولهذا فإن التواصل الحضاري الحقيقي لا يبدأ في المطارات ولا في الفنادق ولا في المعالم الشهيرة. إنه يبدأ في العقل. يبدأ في الطريقة التي ننظر بها إلى العالم. ويبدأ في استعدادنا للاعتراف بأن الحقيقة الإنسانية أوسع من تجربتنا الفردية، وأن لدى الآخرين ما يمكن أن نتعلَّمه كما أن لدينا ما يمكن أن نقدِّمه.
ولعل هذه الفكرة تكتسب أهمية أكبر في مجتمع سعودي يعيش واحدة من أكثر مراحل التحول والانفتاح حيوية في تاريخه الحديث. فجيل كامل نشأ وهو يرى العالم أقرب مما رآه أي جيل سبقه، وأصبح الاحتكاك المباشر بالمجتمعات الأخرى جزءًا من التجربة التعليمية والمهنية والثقافية. ولم يعد السفر حدثًا استثنائيًا يروى بعد العودة، بل أصبح عنصرًا طبيعيًا في تكوين الخبرة الشخصية وبناء الرؤية الفردية.
ومع اتساع هذه الفرص تتسع المسؤولية أيضًا. فليس المهم عدد الدول التي نزورها، بل نوعية العلاقة التي نبنيها مع العالم. وليس المهم عدد الثقافات التي نقترب منها، بل مقدار ما نتعلمه منها، ومقدار الاحترام الذي نحمله إليها. لأن المعرفة التي لا تنتج فهمًا تبقى معلومات، والسفر الذي لا ينتج وعيًا يبقى حركة، والانفتاح الذي لا يصاحبه نضج يتحول إلى عبور سريع لا يترك أثرًا حقيقيًا.
واللافت أن الانطباعات الكبرى كثيرًا ما تولد من تفاصيل صغيرة. من طريقة الإصغاء، ومن احترام النظام، ومن التواضع أمام تجارب الآخرين، ومن القدرة على الاختلاف دون خصومة. وهي أمور قد تبدو عابرة في لحظتها، لكنها تبقى في الذاكرة أكثر مما تبقى أسماء الشوارع والفنادق والصور التذكارية. ولهذا لا تُبنى صورة الشعوب بالخطب والشعارات وحدها، بل تبنيها أيضًا ملايين المواقف اليومية التي تحدث بصمت بين البشر.
وربما لهذا السبب لا تُقاس قيمة الرحلات بعدد الأميال التي نقطعها، بل بمقدار ما تكشفه لنا عن أنفسنا. فالعالم أصبح أقرب من أي وقت مضى، وأصبحت الثقافات متاحة أمامنا قبل أن نحجز تذاكرنا إليها، غير أن الاقتراب الحقيقي من الآخرين سيبقى مرتبطًا بشيء أقدم من الطائرات وأسرع من التقنية وأبقى من الصور؛ مرتبطًا بالقدرة على الفهم، وبالرغبة الصادقة في التعلم، وبالأخلاق التي تجعل الإنسان يرى في اختلاف البشر فرصة للمعرفة لا سببًا للمسافة.
وعندما يحدث ذلك، لا يعود السفر انتقالًا بين مكانين فحسب، بل يصبح جزءًا من رحلة أطول نحو فهم أوسع للعالم، وفهم أكثر نضجًا للذات.