د. غالب محمد طه
لو أرادت مؤسسة إعلامية اليوم إخفاء تحقيق استقصائي أو مقال فكري رصين عن الجمهور، فلن تكون بحاجة إلى حذفه أو منعه أو فرض الرقابة عليه؛ يكفي أن تنشره وفق القواعد الطبيعية للمهنة الصحفية.
تبدو هذه العبارة متناقضة، لكنها تلخص واحدة من أكثر المفارقات إثارة في البيئة الرقمية المعاصرة.
فالمحتوى الذي يفترض أن يمثل جوهر وظيفة الإعلام؛ التحليل والتفسير والتوثيق، أصبح في كثير من الأحيان أقل حظاً في الوصول والانتشار من محتوى سريع يحقق تفاعلاً لحظياً ثم يتلاشى أثره بعد وقت قصير.
لا يكشف هذا التحول عن عزوف الجمهور عن القراءة بقدر ما يكشف عن تغير في البيئة التي تحدد ما يصل إليه.
فقد أعادت البنية الاقتصادية للمنصات الرقمية تعريف أولويات الظهور والانتشار، وأصبحت قيمة المحتوى تقاس بقدرته على إطالة زمن بقاء المستخدم داخل المنصة.
ولفهم هذه الظاهرة، لا بد من النظر إليها من زاوية الاقتصاد السياسي للإعلام.
فالمنصات الرقمية الكبرى تعمل وفق منطق الشركات التجارية التي تعظم زمن بقاء المستخدم داخل تطبيقاتها، لأن هذا الزمن يتحول إلى عوائد إعلانية ومكاسب اقتصادية.
ضمن هذا المنطق، تصبح الروابط الخارجية عبئاً على المنصة؛ لأنها تنقل المستخدم إلى فضاءات أخرى. ولذلك تميل الخوارزميات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى منح أولوية أكبر للمحتوى الذي يُستهلك داخل المنصة نفسها مقارنة بالمحتوى الذي يدفع المستخدم إلى مغادرتها.
وهنا تواجه المؤسسات الإعلامية التقليدية معضلة حقيقية. فما زال كثير منها يتعامل مع شبكات التواصل بوصفها لوحات إعلانية تنشر مقتطفاً يقود إلى الموقع الإلكتروني. تدفع البيئة الرقمية الحالية تدريجياً نحو نموذج مختلف يقوم على المحتوى الأصيل، بعدما فقد النموذج السابق كثيراً من فاعليته.
والمحتوى الأصيل يُقدم كاملاً داخل المنصة ويُستهلك دون الحاجة إلى مغادرتها. ومع ذلك، يطرح هذا التحول تحديات تتعلق بالنماذج الربحية للمؤسسات الإعلامية، ما يجعل تحقيق التوازن بين الوصول والاستدامة الاقتصادية ضرورة لا تقل أهمية عن الوصول نفسه.
ولا تقتصر هذه التحولات على الانطباعات الشخصية أو الملاحظات المهنية. فالتقارير الدولية المتخصصة ترصد منذ سنوات تراجع الاعتماد على الإحالات القادمة من محركات البحث ومنصات التواصل الاجتماعي، بالتزامن مع صعود أدوات الذكاء الاصطناعي وتغير أنماط استهلاك الأخبار.
ولم يعد مستغرباً أن تحقق مادة صحفية متخصصة انتشاراً محدوداً عبر قنوات التوزيع التقليدية، في حين تحصد مواد أكثر بساطة انتشاراً واسعاً خلال ساعات قليلة. وهذا ما يضع المؤسسات الإعلامية أمام بيئة رقمية أكثر تعقيداً وأشد تقلباً من أي وقت مضى.
حيث يشهد الفضاء الرقمي اليوم إعادة تشكيل لآليات الوصول إلى المعلومات. ويعكس تغير أدوات النشر جانباً من هذا التحول الأوسع. فقد أصبحت حركة الجمهور مرتبطة إلى حد كبير بسياسات المنصات وآلياتها التقنية، الأمر الذي منح شركات التكنولوجيا دوراً متعاظماً في تحديد ما يصل إلى الجمهور وما يتراجع حضوره في المجال العام.
ويمتد أثر هذا التحول إلى ما هو أبعد من تراجع الوصول وانخفاض الزيارات للمواقع الإخبارية، ليشمل ما يمكن تسميته بـ«هندسة الفراغ المعرفي».
ويقصد بهذا المفهوم تشكل بيئة اتصالية لا تُقصي المحتوى الجاد بصورة مباشرة، لكنها تجعل حضوره أضعف تدريجياً أمام المحتوى الأسرع والأكثر قدرة على توليد التفاعل اللحظي وجذب الانتباه.
وحين تُبنى الحوافز الاقتصادية للمنصات على تعظيم التفاعل اللحظي، يصبح المحتوى العميق في موقع تنافسي أضعف بطبيعته. وينعكس ذلك مباشرة على مكانة المعرفة في المجال العام، فتتراجع قدرتها على التأثير رغم استمرار توافرها.
يمتد أثر هذا التحول إلى طبيعة النقاشات العامة نفسها. فتزداد هيمنة المحتوى السريع والمختزل، بينما تتراجع المساحات المخصصة للتحليل والتفسير والنقاش المعرفي الرصين.
وترتبط بذلك ثلاث قضايا تبدو منفصلة ظاهرياً، لكنها متشابكة في جوهرها: أزمة توزيع المحتوى الصحفي، وهيمنة المنصات الرقمية، ومستقبل السيادة المعرفية. فحين تصبح بوابات الوصول إلى المعلومات متركزة في عدد محدود من المنصات العالمية، يمتد تأثير هذا التركّز إلى الاقتصاد الإعلامي، كما يعيد تشكيل أولويات الجمهور وأنماط استهلاكه للمعلومات.
أصبح السؤال يدور حول كيفية التعامل مع واقع أصبحت فيه البنية التقنية خارج نطاق تأثير المؤسسات الإعلامية.
فعندما تحتكر شركات عالمية محدودة مفاتيح الوصول إلى المعلومات وتوزيعها، تتحول القضية تدريجياً من تحدٍ إعلامي إلى مسألة تتصل بالاستقلال المعرفي والقدرة على حماية المصالح الثقافية واللغوية في الفضاء الرقمي.
يمثل تطوير أساليب النشر والتسويق جزءاً من الاستجابة، لكنه لا يعالج البنية التي أنتجت المشكلة. ويمثل امتلاك نماذج لغوية وطنية خطوة في بناء منظومة معرفية وتقنية أكثر استقلالاً، حتى مع بقاء قواعد التوزيع العالمية على حالها.
تتطلب مواجهة هذه التحولات استجابة بنيوية تتجاوز تطوير أدوات النشر، وهو ما يفسر أهمية الاستثمار في القدرات التقنية الوطنية، وتطوير النماذج اللغوية العربية، وتعزيز البنية التحتية الرقمية المحلية، بوصفها مكونات أساسية لمنظومة الأمن المعرفي والثقافي.
وفي العالم العربي، تبرز السعودية نموذجاً لبلد أدرك مبكراً أثر هذه التحولات على السيادة المعرفية، فتعامل معها بوصفها قضية استراتيجية تتجاوز الجانب التقني.
وقد انعكس هذا الإدراك في جهود « سدايا» التي عملت على تطوير بنية رقمية متقدمة ونماذج لغوية عربية قادرة على فهم اللغة ومعالجة المعرفة ضمن إطار أكثر استقلالاً عن المنصات العالمية. ويمنح هذا التوجه المؤسسات الإعلامية أدوات تساعدها على تعزيز حضور المحتوى العربي في فضاء رقمي تتبدل قواعده باستمرار.
تعني السيادة التقنية امتلاك القدرة على التفاعل مع التكنولوجيا العالمية من موقع الشريك، مع الاحتفاظ بهامش مستقل في بناء الأدوات والمعرفة.
ويتطلب التكيف مع هذا الواقع الجديد من المؤسسات الإعلامية العربية إعادة التفكير في نماذج عملها واستراتيجيات حضورها الرقمي. ويبدأ ذلك بتطوير شراكات أعمق بين المؤسسات الإعلامية والجهات التقنية الوطنية، بما يسهم في بناء أدوات ومنصات أكثر قدرة على خدمة المحتوى العربي وتعزيز حضوره، كما يتطلب بناء أشكال جديدة من التعاون والتنسيق بين المؤسسات الإعلامية نفسها، بما يمنحها قدرة أكبر على التفاوض مع المنصات الرقمية العالمية بشأن شروط توزيع المحتوى الخبري والمهني.
وفي الوقت نفسه، ينبغي الانتقال من ثقافة نشر الروابط المختصرة إلى ثقافة إنتاج المحتوى الأصيل القادر على المنافسة داخل البيئة الرقمية الجديدة، دون التفريط في قيم الدقة والعمق والمهنية.
أصبحت معركة الإعلام اليوم تدور حول ضمان وصول المعرفة إلى الجمهور في بيئة تتحكم فيها الخوارزميات باقتصاد الانتباه وترتيب أولويات الرؤية والانتشار.
وإذا كان الماضي قد عرف الرقابة بوصفها حذفاً للمعلومة أو حجباً لها، فإن الرقابة في عصر المنصات قد تتخذ شكلاً أكثر هدوءاً وأشد تأثيراً: أن تبقى المعرفة متاحة أمام الجميع، لكنها لا تجد طريقها إلى الوعي العام.
وهنا تكمن حقيقة «هندسة الفراغ المعرفي»؛ فالمشكلة لم تعد غياب المعرفة، بل هندسة الظروف التي تجعلها حاضرة.. من دون أن يراها أحد.
وبالله التوفيق..