د.عبدالله الفايز
تشهد النقاشات المتعلقة بمستقبل السكان في المملكة العربية السعودية بروز تقارير غير دقيقة تزعم أن المملكة ستواجه تقلصاَ وانكماشاً سكانياً خلال العقود القادمة، وأن ذلك قد يؤدي إلى نقص في العمالة يتطلب استقدام أعداد متزايدة من العمالة الأجنبية. غير أنّ هذه التقارير، عند تحليل منهجياتها وفرضياتها، يتضح أنها تعتمد على نماذج ديموغرافية تقليدية لا تأخذ في الاعتبار التحولات التقنية والاقتصادية والاجتماعية العميقة المستقبلية التي تشهدها المملكة والعالم، ولا تستوعب طبيعة المدن المستقبلية التي تتجه نحو الذكاء، والتحجيم المدروس، والخدمات ذات الكفاءة العالية. وتؤكد الأدبيات المتخصصة في الديموغرافيا الحضرية أن التنبؤات السكانية التي تتجاهل أثر التحول التقني غالباً ما تكون مضللة وتعطي نتائج غير دقيقة. وهذا ما ينطبق بوضوح على التقارير التي بُني عليها الادعاء بانكماش سكاني مؤثر في المملكة. ثمة حاجة ماسة إلى إعادة وضعِ موضوع «الانكماش السكاني» في المملكة ضمن إطارٍ منهجيٍ دقيقٍ ودفع النقاش نحو الحقائق بدل الانزلاقات المنهجية التي رافقت بعض التقارير الأخيرة. لقد أثارت مقالات وتحليلات إعلامية وتحذيرية موجةً من القلق العام عندما تناولت احتمالية «انكماشٍ سكانيٍ» مستقبلي في السعودية، واستندت بعض هذه المخرجات إلى بيانات غير مكتملة أو استنتاجات مكثفة لا تقف على قواعد إحصائية وديموغرافية سليمة. ومن الضروري أن نبيّن بوضوح أن التهويل في قراءة مؤشرات مثل انخفاض معدلات الخصوبة أو تعديل أرقام التعداد دون مراعاة السياق والاتجاهات التعويضية يمكن أن يولّد استنتاجات مضلِّلة سياسياً واجتماعياً. وهذا نابع من خبرتي في الاشراف ومعالجة تقارير قام بها مجموعة من الاستشاريين الاجانب والمحلين والذين ليس لم يكن لديهم فكر عمق في خصائص المجتمع السعودي.
أولاً، من المنهجية الأساسية أن نفرق بين ثلاثة مفاهيم غالباً ما تختلط لدى غير المتخصصين: (1) تباطؤ النمو السكاني، وهو انخفاض معدل الزيادة السنوية لكنه يبقى موجباً؛ (2) الوصول إلى مستوى «إحلالي» في معدل الخصوبة (حوالي 2.1 طفل لكل امرأة) الذي يحقق استقراراً سكانياً على المدى الطويل؛ و(3) الانكماش السكاني البنيوي (population decline) حيث يصبح صافي المواليد ناقصاً على مدى سنوات متواصلة بحيث يتراجع عدد السكان فعلاً. الخلط بين هذه المفاهيم قاد إلى مواقف متهوّرة في بعض التقارير المحلية. المراجع الديموغرافية الحديثة تؤكد أن معدل خصوبة السعودية الذي يقارب 2.1-2.3 في تقديرات عدة سنوات يقرب البلاد من مستوى الإحلال، ولا يشي بحالة انكماش كهذه (United Nations, 2022; GASTAT, 2024).
ثانياً، دقة البيانات وحساسية المصادر أمر حاسم. ما جرى في بعض التحليلات الاعلامية هو الاعتماد على أرقام جزئية أو تقديرات غير محدثة بدل اللجوء إلى السلاسل الزمنية الرسمية والبيانات المصححة من الهيئة العامة للإحصاء. الممارسة الدولية السليمة تلزم مقارنة بيانات الخصوبة والمواليد والوفيات والهجرة على مدى سنوات متتالية مع استخدام معدلات «الإحلال» وفرضيات الهجرة لتوليد سيناريوهات (Lee الجزيرة Cohen, 2021). عند تطبيق هذه الممارسات على بيانات السعودية، يصبح واضحاً أن الاصول الأساسية للديموغرافيا - مثل الزيادة في متوسط العمر المتوقع والتحسّن الصحي وانخفاض وفيات الأطفال - تغير التركيب العمري لكن لا تعني انهياراً سكانياً فوريًا (World Bank, 2023).
ثالثاً، يختصر الخطأ الآخر المهم في الافتراض الرائج بأن أي انخفاض في عدد السكان أو تباطؤ في نموها يعني تلقائياً حاجة هائلة ودائمة إلى «ملايين» من العمالة الأجنبية. هذا استنتاج مبسّط يغفل تأثير التحوّل التكنولوجي على الطلب الهيكلي للعمالة. الروبوتات والتقنيات الرقمية، الأتمتة، إنترنت الأشياء، والذكاء الاصطناعي تعيد تشكيل الوظائف: تقلّ الوظائف الروتينية واليدوية، بينما ترتفع الحاجة لوظائف متخصِّصة معرفية وتقنية.
بالتالي، حتى لو تباطأ نمو السكان أو أصبح النمو قريباً من التعادل، فإن الطلب على أعداد ضخمة من العمالة الشغلية التقليدية قد يتراجع، في حين يزداد الطلب على كفاءات نوعية. الأدلة الدولية توضح أن الاقتصادات التي ترفع إنتاجية الفرد يمكن أن تعوّض تراجع عدد العاملين عبر زيادة الناتج لكل عامل (OECD, 2020; World Economic Forum, 2023).
رابعاً، لا بد من قراءة مؤشرات سوق العمل بمنهجية صحيحة. بعض التحليلات اعتمدت أرقاماً متناقضة حول معدلات البطالة (فُسِّرت بيانات جزئية على أنها مقاييس كلية)، أو اختلطت بطالة الشباب بمقاييس المشاركة في القوة العاملة، مما أعطى انطباع مفاده أن المملكة في حالة بطالة «40%» أو قريبة من ذلك، وهو رقم غير مستند إلى بيانات الهيئة العامة للإحصاء الرسمية. وفق الإحصاءات الوطنية الأخيرة، بلغ معدل البطالة العام نسباً متحسنة (GASTAT, 2024-2025)، وما ينبغي التركيز عليه سياساتياً هو جودة الوظائف ومطابقتها لمهارات المواطنين لا مجرد أرقام شاملة قابلة للتفسير الخاطئ. وان البطالة عالميا هي عدد من يتقدمون لمكتب العمل بحثا عن وظيفة وبذلك من لا يعجبه الاجر الذي يعطى له او يتكاسل عن العمل ولم يتقدم لمكتب العمل فهو لا يحسب.
خامساً، يجب ألا تُفهم التغيرات الديموغرافية بمعزل عن السياسات الاقتصادية والاجتماعية. المملكة تجري تحوّلات هيكلية واسعة ضمن «رؤية 2030» تهدف إلى تنويع الاقتصاد، رفع مشاركة المرأة في سوق العمل، وتعزيز الإنتاجية. سياسات تشجيع الخصوبة لها دورها، لكن التجارب الدولية تُظهر أن السياسات الأكثر فاعلية في سياق تراجع الخصوبة تُركز على تمكين الجمع بين العمل والأسرة (مرونة العمل، دعم الأطفال، خدمات رعاية متاحة)، إلى جانب الاستثمار في التعليم والتدريب لرفع قيمة رأس المال البشري (UN DESA, 2022).
سادساً، من المهم إدراج السيناريو التكنولوجي كأداة للتكيّف لا مجرد تهديد. التحوّل الرقمي يتيح للحكومات تقليص أحجام بعض المؤسسات والهيئات التقليدية، مع الحفاظ أو تحسين مستوى الخدمات عبر المنصات الرقمية (digital government)، مما يخفف الضغط على البنية التحتية ويقلّل الحاجة إلى توسعات سكانية مدفوعة بتوفير الوظائف التقليدية (OECD, 2020). هذا المسار يعيد تعريف العلاقة بين عدد السكان واحتياجات المدينة: المدن قد «تنكمش» مساحياً وخدمياً لكن تزداد كفاءتها الاقتصادية والبيئية.
سابعاً، من واجب الباحثين والإعلاميين تبنّي معايير علمية للمقارنة الدولية. المقارنة مع دول مثل اليابان أو كوريا يجب أن تضع في الاعتبار فارق المرحلة التنموية، سياسات الهجرة، الزمن الذي استغرقته كل دولة للوصول إلى وضعها الحالي، ودرجة التكيّف التكنولوجي. التحليل المقارن غير المُؤسَّس على هذه العناصر يؤدي إلى استنتاجات خاطئة وتوصيات سياساتية ضارة.
ثامناً، وبناءً على ما سبق، لا بد من التوصيات العملية التالية. (1) اعتماد نهج شفاف في نشر البيانات: على الجهات الرسمية الاستمرار في تحديث السلاسل الزمنية ونشر سيناريوهات بديلة (قصوى/ متوسطة/ منخفضة) لمدى 5-10-20 سنة، مع افتراضات واضحة للهجرة والخصوبة والوفيات. (2) توجيه السياسات نحو رفع إنتاجية الفرد: استثمار مكثَّف في التعليم التقني والمهارات الرقمية وريادة الأعمال لتحويل التحدي السكاني إلى فرصة اقتصادية. (3) تصميم حزمة اجتماعية لتعزيز الجمع بين العمل والأسرة: دعم رعاية الأطفال، إجازات مرنة، حوافز سكنية للشباب، لتأثير إيجابي على قرار الإنجاب دون العودة إلى سياسات تقليدية غير فعالة. (4) إعادة توجيه سياسة الاستقدام: تقليل العمالة الشغلية غير المتخصصة تدريجياً مع بناء برامج لاستقطاب المواهب المتخصصة (التقنية، الصحية، الهندسية)، وربط ذلك بسياسات التجنيس النوعي إن اقتضى الأمر. (5) تعزيز القدرات الوطنية في التحليل والدراسات: تشجيع مراكز بحث وطنية على إجراء دراسات سيناريو متقدمة لتقديم سياسات قائمة على الأدلة.
قراءة المشهد الديموغرافي تتطلب دقّة منهجية ووضوحاً في تناول المفاهيم. ما نراه اليوم في السعودية هو مرحلة انتقالية ديموغرافية مصحوبة بتحوّل تكنولوجي واجتماعي وسياسي؛ وإذا ما صُممت السياسات بعقلانيّة ووضعت في إطار إنتاجية نوعية، فإن احتمال أن يتحول أي تباطؤ سكاني إلى أزمة يتضاءل، بل قد يتحول إلى فرصة للتحديث الاقتصادي والاجتماعي. أما القراءة المبسطة التي تُحوّل أرقام جزئية إلى سيناريوهات كارثية، فواجب المجتمع العلمي وتصحيحهما واجبٌ لا يمكن تأجيله. فالطرح القائل بأن أي تراجع سكاني -إن حدث- سيؤدي تلقائياً إلى فجوة في سوق العمل يستند إلى نموذج اقتصادي قديم يفترض علاقة خطية بين عدد السكان وبين الطلب على العمالة، وهو افتراض لم يعد صالحاً في عصر الرقمنة والأتمتة والذكاء الاصطناعي. إذ تشير تقارير الاقتصاد المستقبلي إلى أن أكثر من 40% من الوظائف التقليدية ستختفي أو يعاد تشكيلها كلياً بحلول 2040، وستُستبدل بوظائف تقنية عالية الكفاءة لا تعتمد على كثافة العمالة . كما توضح تقارير OECD ، أن الحكومات التي تعتمد الأتمتة والتحول الرقمي ستشهد انخفاضاً كبيراً في الحاجة إلى موظفي القطاع العام حتى مع بقاء حجم السكان ثابتاً أو متزايداً (OECD, 2020)، وبالتالي فإن الحديث عن نقص في العمالة نتيجة انكماش سكاني محتمل يتجاهل التغير الهيكلي في طبيعة الوظائف نفسها.
وما يغيب عن تلك التقارير هو أن مدن المستقبل ستكون أصغر حجماً وأعلى كفاءة، وستتقلص فيها الحاجة إلى كثير من الخدمات التقليدية التي كانت تعتمد على أعداد كبيرة من الموظفين والمنشآت. فمع التطور المتسارع في الصحة، والتعليم، والبنية التحتية، والحكومة الرقمية، تتغير المعادلة الأساسية لحاجة المدن إلى العمالة. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن المدن المتقدمة تقنياً تشهد انخفاضاً في الطلب على المرافق الصحية التقليدية بسبب تقدم الطب الوقائي، والرعاية الذاتية، والتشخيص الرقمي، والطب عن بعد، والروبوتات الطبية (Topol, 2019). وهذا يعني انخفاض عدد المستشفيات، واستخدام الروبوتات مما يؤدي إلى تقليص أعداد العاملين فيها، والاستغناء عن مساحات ضخمة كانت تُشغل سابقاً لهذه الخدمات مما يقلل عمال النظافة والصيانة. كما أن المؤسسات الصحية الأصغر والأكثر ذكاءً تعني عدداً أقل من الرحلات اليومية، وانخفاضاً في التلوث، وتراجعاً في الحاجة لبناء مرافق ضخمة يساهم فيها عادة عمالة كثيفة من الخارج.(Alfaiz, 2025) وينطبق السياق ذاته على التعليم، إذ يشير الباحثون إلى أن مستقبل التعليم يتجه إلى تقليل سنوات الدراسة، وتحديث المناهج، واعتماد التعليم الهجين والتعليم بالذكاء الاصطناعي، والاستغناء عن عدد كبير من المؤسسات التعليمية الكبيرة التي كانت تشكل قلب المدينة التقليدية (Schwab, 2016). ومع تقلص حجم المنشآت التعليمية، والتدريس عن بعد وانخفاض عدد المدرسين والاستعاضة عنهم بالتقنيات التعليمية والروبوتات، ينخفض الطلب الكلي على العمالة التعليمية، وتقل الحاجة إلى عمالة أجنبية لتشغيل هذا النوع من المؤسسات. ويبرز كذلك دور التحول الرقمي في الحكومة، حيث تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن الحكومات التي تعتمد التحول الرقمي الشامل تدمج ما بين 30% و60% من خدماتها في منصات موحدة، مما يؤدي إلى خفض ضخم في عدد الموظفين والمساحات التشغيلية (UN E-Government Survey, 2022). ومع تقلص الجهاز الحكومي وتراجع الحاجة للبنية التحتية الضخمة والمباني والمواقف المرتبطة بها، تنخفض تلقائياً الحاجة إلى عمالة تشغيل وصيانة وبناء كانت تمثل سابقاً جزءاً رئيسياً من الطلب على العمالة الأجنبية.
إن التأثير التراكمي لانخفاض الطلب على الصحة والتعليم والخدمات الحكومية والاسواق وغيرها والبنية التشغيلية وانخفاض مساحة النظافة، يؤدي إلى نتيجة مهمة يغفلها من يطرح سيناريوهات الانكماش السكاني: وهي أن المدن المستقبلية ستنكمش في مساحتها ورقعتها العمرانية. وقد أثبتت الدراسات أن انخفاض عدد السكان، مقروناً بالتقنية، يؤدي إلى ما يسمى «التحجيم الحضري الذكي» الذي يجعل المدن أكثر كثافة وكفاءة وأقل تمدداً، وبالتالي أقل حاجة للعمالة الإنشائية والخدمية (Haase et al., 2014). كما تشير تحليلات UN-Habitat (2021) ، إلى أن المدن التي تتقلص سكانياً وتقنياً تشهد انخفاضاً يصل إلى 40% في الطلب على البنية التحتية الجديدة، وتحولاً جذرياً في نمط الخدمات. ولا تقتصر آثار تقلص المدن على خفض الطلب على العمالة فحسب، بل تمتد إلى تحسين كفاءة الحركة المرورية وانخفاض الازدحام والتلوث. فمع تقلص المؤسسات الحكومية والمدارس والمستشفيات، ينخفض عدد الرحلات اليومية بشكل كبير. وقد بينت دراسات النقل الحضري أن تراجع عدد الرحلات يخفف العبء على الصحة العامة، ويقلل أمراض الجهاز التنفسي والقلب بنسبة ملحوظة كما تشير بيانات منظمة الصحة العالمية (WHO, 2022). وهذا الانخفاض نفسه يقلل الحاجة للكوادر الصحية ويجعل النظام أكثر كفاءة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتضح أن العلاقة بين حجم السكان وحجم الطلب على العمالة لم تعد علاقة طردية كما كانت في الماضي. ومع دخول الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأنظمة الذكية في كل القطاعات، يصبح المستقبل غير قائم على استقدام أعداد ضخمة من العمالة الأجنبية، بل على توظيف تقنيات قادرة على رفع الكفاءة بأقل عدد ممكن من الموظفين. وتشير عدة تقارير، منها تقرير البنك الدولي حول مستقبل العمل، إلى أن الاقتصادات التي تتبنى الأتمتة بكفاءة لن تواجه فجوة عمالية حتى لو انخفض عدد السكان (World Bank, 2019). كما تؤكد الدراسات أن المهن التي ستختفي أكبر بكثير من تلك التي ستُستحدث، وأن طبيعة الوظائف الجديدة ستكون تقنية عالية المهارة لا تعتمد على عمالة مستوردة منخفضة المهارة (ILO, 2021)..
وعليه، فإن الادعاء بأن المملكة ستحتاج إلى مزيد من العمالة الأجنبية بسبب الانكماش السكاني لا يستند إلى قراءة صحيحة للمتغيرات المستقبلية ولا لطبيعة الاقتصاد الذكي. وأن التنبؤات السكانية لا يمكن أن تُقرأ بمعزل عن التحولات التقنية والذكاء الاصطناعي وإعادة تشكيل الخدمات.