أمل حمدان الشريف
ليست كل القلوب التي تبتسم بخير، ولا كل الوجوه الهادئة تنعم بالسكينة. فثمة معارك لا تُرى، يخوضها الإنسان مع ذاته، حيث تتزاحم المشاعر، وتتقاطع التوقعات، ويثقل القلب بما لا يستطيع البوح به. ومن بين تلك المعارك تبرز الهشاشة العاطفية، بوصفها واحدة من أكثر تحديات الإنسان المعاصر خفاءً وأشدها أثرًا.
الهشاشة العاطفية ليست ضعفًا في الشخصية، ولا نقصًا في الوعي، بل حالة تجعل الإنسان أكثر قابلية للتأثر، وأسرع انكسارًا أمام المواقف والكلمات. فيُحمّل العبارات ما لا تحتمل، ويقرأ الصمت على أنه جفاء، وتأخر الرد على أنه إهمال، واختلاف الرأي على أنه رفض. فيغدو أسيرًا لتفسيراته، لا لحقائق الواقع.
وفي زمنٍ تتسارع فيه العلاقات، وتتناقص فيه مساحات الحوار الصادق، أصبحت المشاعر أكثر عرضة للاهتزاز. فالعالم من حولنا يزداد ضجيجًا، بينما يزداد الإنسان حاجةً إلى الطمأنينة. ومع كل هذا الصخب، يصبح القلب الذي لا يمتلك مناعة عاطفية كغصنٍ طريٍّ تحركه كل ريح.
ومن المؤسف أن بعض الناس يربط قيمته برضا الآخرين، ويقيس نجاحه بقدر ما يناله من اهتمام، فإذا تبدلت الوجوه أو خفتت الكلمات، اهتزت ثقته بنفسه.
وهنا تبدأ رحلة الاستنزاف، حين يبحث الإنسان عن ذاته في عيون الآخرين، وينسى أنها تُبنى من الداخل، لا تُستعار من الخارج.
غير أن الهشاشة ليست قدرًا محتومًا، بل حالة يمكن تجاوزها متى أدرك الإنسان أن بناء الذات يسبق بناء العلاقات.
فالتصالح مع النفس، واحترامها، والإيمان بقيمتها، هو الحصن الأول أمام تقلبات الحياة. وكلما ازداد الإنسان معرفة بنفسه، قلَّ تأثره بالأحكام العابرة، وأصبح أكثر قدرة على التمييز بين النقد البنّاء والكلمات التي لا تستحق الوقوف عندها.
كما أن وضع الحدود الصحية في العلاقات ليس قسوة، بل نضج. فليس كل من يقترب يستحق أن يدخل أعماق القلب، وليس كل علاقة تستحق أن يُستنزف فيها العمر والمشاعر. والعطاء الحقيقي لا يعني أن يفقد الإنسان نفسه وهو يحاول أن يُرضي الجميع.
ومن وسائل تقوية العاطفة أيضًا أن يملأ الإنسان حياته بما يصنع قيمته؛ بالقراءة، والعمل، والإبداع، والتطوع، وممارسة الهوايات، والتأمل، والكتابة. فالنفس المنشغلة بالبناء أقل عرضة للانكسار، والقلب الممتلئ بالمعنى لا تزعزعه التفاصيل الصغيرة.
ومن الحكمة كذلك أن نتقبل أن الخذلان جزء من التجربة الإنسانية، وأن الرحيل لا يعني النهاية، وأن بعض الأشخاص لا يأتون إلى حياتنا ليبقوا، بل ليتركوا فينا درسًا يجعلنا أكثر وعيًا وأشد تماسكًا. فليست كل خسارة خسارة، وبعض الأبواب التي أُغلقت كانت رحمة لم ندركها إلا بعد حين.
إن النضج العاطفي لا يعني أن نتوقف عن الإحساس، بل أن نحسن إدارة إحساسنا، وأن يكون العقل شريكًا للقلب، لا تابعًا له. فالقلب الذي يقوده الوعي لا تنال منه العواصف، بل تزيده رسوخًا.
بين ورقةٍ وقلم، تتأكد حقيقة تستحق أن تُكتب بماء الحكمة: إن أقوى الناس ليسوا أولئك الذين لم يعرفوا الألم، بل الذين عرفوه، ثم تجاوزوه دون أن يفقدوا إنسانيتهم. فالعاطفة الجميلة لا تحتاج إلى قسوة لتحيا، وإنما تحتاج إلى وعي يحميها، وإيمان يسندها، وقلبٍ يدرك أن سلامه الداخلي أثمن من كل ما قد يخسره في صخب الحياة.