ثامر الشهراني
ليست أزمة الملف الإيراني حول برنامج نووي أو عقوبات اقتصادية فحسب، بل هي تعبير عن اختلاف جذري في تعريف التهديد بين واشنطن وتل أبيب. فبينما تنظر الولايات المتحدة إلى إيران باعتبارها ملفاً قابلاً للإدارة والاحتواء، ترى إسرائيل أن المشكلة تكمن في طبيعة النظام نفسه ومشروعه الإقليمي.
في العقل السياسي الأمريكي، وخصوصاً لدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تحضر لغة المصالح والصفقات بوصفها المدخل الأكثر فاعلية لمعالجة الأزمات. فإيران ليست مجرد خصم سياسي، بل دولة تمتلك نحو 209 مليارات برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، إلى جانب موقع جيوسياسي يجعلها لاعباً مؤثراً في أسواق الطاقة العالمية. ومن هذا المنطلق، تبدو فكرة التوصل إلى تفاهم يضبط السلوك الإيراني أكثر جاذبية من الانخراط في صراع مفتوح يصعب التحكم بنتائجه.
أما في إسرائيل، فالصورة أكثر تعقيداً. فالمسألة لا تُقاس بحجم الاحتياطيات النفطية ولا بفرص الاستثمار، بل بمدى تأثير المشروع الإيراني على الأمن القومي الإسرائيلي. ومن منظور الموساد تحديداً، يمثل المشهد الإيراني كابوساً استخباراتياً متعدد الأوجه؛ إذ يخشى الجهاز استمرار نفوذ طهران عبر أذرعها العسكرية المنتشرة في المنطقة وما تمثله من تهديد مباشر ومستمر لإسرائيل، وفي الوقت ذاته يخشى انهيار النظام بصورة فوضوية وما قد يترتب عليه من تفكك مراكز القرار وانتشار القدرات العسكرية والصاروخية خارج السيطرة. وبين هذين الاحتمالين يجد الموساد نفسه أمام بيئة عملياتيه بالغة التعقيد، تجعل التعامل مع الملف الإيراني مهمة مستمرة لا يمكن حسمها بسهولة، سواء ببقاء النظام أو بسقوطه.
ومن هنا يمكن فهم الفجوة التي رافقت جولات التفاوض خلال السنوات الماضية. فبينما كانت واشنطن تبحث عن صيغة تحقق الاستقرار وتمنع التصعيد، كانت إسرائيل تتحرك في الاتجاه المعاكس عبر العمليات الأمنية والعسكرية، في محاولة لفرض وقائع ميدانية تعيد رسم قواعد الاشتباك بعيداً عن طاولات التفاوض.
ولم يعد خافياً أن تل أبيب تنظر بعين الشك إلى أي تقارب أمريكي إيراني، لأنها تعتقد أن الوقت الذي تمنحه الاتفاقات لطهران سيُستثمر في إعادة بناء قدراتها وتعزيز نفوذها الإقليمي. لذلك استمرت سياسة الضربات الاستباقية والعمليات السرية باعتبارها جزءاً من استراتيجية تهدف إلى استنزاف المشروع الإيراني ومنع توسعه، مع تجنب الانزلاق إلى فوضى إقليمية واسعة يصعب احتواء تداعياتها.
في المقابل، تدرك طهران حجم التباين بين الحليفين وتسعى إلى استثماره سياسياً. فهي تراهن على حاجة واشنطن إلى الاستقرار وأسواق الطاقة، وفي الوقت ذاته تحافظ على أوراق نفوذها الإقليمية باعتبارها أدوات ضغط لا يمكن التفريط بها بسهولة.
وعليه، لا يكمن الخلاف بين واشنطن وتل أبيب في كيفية التعامل مع إيران فحسب، بل في طبيعة المستقبل الذي تريدانه لها. فالولايات المتحدة تبحث عن صفقة تضمن الاستقرار وتدفق المصالح، بينما ينظر الموساد وصناع القرار في إسرائيل إلى إيران بوصفها معضلة أمنية مفتوحة؛ فاستمرار النظام يكرس نفوذ أذرعه الإقليمية، وسقوطه الفوضوي قد يطلق فوضى يصعب احتواؤها. وبين النفط وكابوس الموساد، تبقى أي صفقة أمريكية مع طهران معرضة للاهتزاز عند أول اختبار ميداني.