نجلاء العتيبي
أصبح من المعتاد أن يجلس الإنسان وفي يده هاتفٌ ذكيٌّ، وإلى جواره جهاز لوحي، وأمامه حاسوب محمول، بينما يعمل التلفاز في الخلفية، وتستمرُّ المقاطع القصيرة في التدفُّق دون نهايةٍ، هذا المشهد يتكرَّر كل يوم حتى غدا جزءًا من الروتين، ومع ذلك يندهش كثيرون عندما يزورهم الصداع أو يُثقلهم الإرهاق الذهني، وكأن الأمر لغزٌ لا تفسير له.
فالعقل البشري لا يتعامل مع الشاشات على أنها مُجرد وسائل ترفيه، فهو يلاحق الحركة، ويفسر الألوان، ويستقبل الأصوات، ويُبدّل تركيزه مع كل مقطع جديد، وكل انتقال سريع يستهلك جزءًا من الطاقة الذهنية، حتى تتراكم الأعباء الصغيرة لتصبح حملًا ثقيلًا لا يشعر به الإنسان إلا عندما يفقد صفاء التفكير أو يجد نفسه عاجزًا عن التركيز في أبسط المهام.
ومن الطريف أن بعضنا يرفع الهاتف ليبحث عن سبب الصداع، فيقضي نصف ساعة إضافية يتنقَّل بين المقاطع والمنشورات، ثم يُغلق الجهاز مقتنعًا أن الحل لم يظهر بعدُ، مع أن السبب كان بين يديه منذ البداية.
يزداد الأثر مع المقاطع القصيرة التي لا تمنح العقل فرصةً للاستقرار؛ فالصور تتبدَّل بسرعة، والقصص تتلاحق، والانتباه يقفز من فكرة إلى أخرى في ثوانٍ معدودةٍ، حتى يعتاد الدماغُ هذا الإيقاع المتسارع، ويجد الهدوء أمرًا غير مألوف، ومع مرور الأيام تتراجع القدرة على التركيز العميق، ويُصبح التشتت جزءًا من الحياة اليومية دون أن ينتبه صاحبه إلى مصدره الحقيقي.
ويظن كثيرون أن الجلوس لساعاتٍ أمام الشاشة راحة كاملة؛ لأنه لا يتطلب جهدًا عضليًّا، بينما الحقيقة أن الذهن يعمل بلا توقُّف، فالعين تراقب، والذاكرة تستقبل، والجهاز العصبي يلاحق سيلًا لا ينتهي من المحفزات، ولهذا قد يشعر الإنسان بتعب شديد في نهاية يوم لم يغادر فيه مقعده.
ولا يقتصر الأمر على الإرهاق الذهني، فالجسد يشارك في دفع الثمن أيضًا، تطول فترات التحديق، ويقلُّ الرمش الطبيعي، وتتشنَّج عضلات الرقبة والكتفين، ويبدأ الصداع في الظهور على فترات متقاربة، حتى يعتاده بعضهم وكأنه جزء طبيعي من يومه، مع أنه في أحيانٍ كثيرةٍ رسالةٌ واضحةٌ تتطلب قدرًا من التوازن.
ومن المفارقات أن الساعات الطويلة التي نقضيها في التصفُّح لا تترك في الذاكرة ما يوازي الزمن الذي استهلكته؛ فعشرات المقاطع تمرُّ أمام العين ثم تتلاشى، ويبقى العقل مُثقلًا بما استقبله من دون فائدة حقيقية؛ لذلك لا تُقاس القيمة بكمية ما نشاهده، وإنما بما يبقى في الفكر، ويضيف إلى الإنسان معرفة أو تجربة نافعة.
الحل لا يكمن في الابتعاد عن التقنية، فهي من أعظم وسائل العصر، وإنما في استخدامها بوعي، فإغلاق الإشعارات غير الضرورية، وترك الهاتف لبعض الوقت، والمشي في الهواء الطلق، والقراءة، والجلوس مع الأسرة دون مقاطعة رقمية، كلها عادات بسيطة تمنح الدماغ فرصةً ليستعيد هدوءه وتوازنه.
إن انتباه الإنسان من أثمنِ ما يملك، وإذا استهلكه في تدفُّق لا ينتهي من المحتوى فلن يكون مستغربًا أن يشتكي من الصداع أو التشتُّت أو الإرهاق.
«ربما لو منحنا عقولنا ساعةً من السكون بدل ساعة إضافية من التمرير، لتراجع عدد المرات التي نُمسك فيها رؤوسنا ونُردّد مبتسمين: يا رأسي!»
ضوء
«التقنية تسرق من الإنسان لحظته الحالية؛ فالجميع ينظر إلى شاشته باحثًا عن مكان آخر أو وقت آخر، تاركًا الحياة الحقيقية تمُرُّ من أمامه».
إيكهارت تول.