حذامي محجوب
ليس التاريخ سجلاً محايداً للأحداث دائماً، بل كثيراً ما يكون مرآة انتقائية، تضيء بعض الوقائع وتترك أخرى في الظل، وتُنصف بعض الرجال والدول فيما تبخس آخرين حقهم. وكم من صفحات مشرقة في تاريخ الأمة العربية ظلت مطوية، لا لأنها قليلة الأهمية، بل لأن من كتب الرواية لم يشأ أن يمنح أصحابها ما يستحقونه من تقدير وإنصاف.
ومن بين تلك الصفحات التي تستحق إعادة القراءة، تبرز العلاقة التي جمعت المملكة العربية السعودية، في عهد الملك المؤسس المغفور له عبدالعزيز آل سعود، بالحركة الوطنية التونسية بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
إنها ليست مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل قصة تكشف كيف يمكن للحكمة السياسية وبعد النظر أن يساهما في تغيير مسار قضية وطنية بأكملها.
في مطلع خمسينيات القرن الماضي، كانت تونس تعيش واحدة من أحلك مراحل تاريخها الحديث.
فقد اشتد الخناق الاستعماري الفرنسي، وتعثّر سعي الحركة الوطنية إلى كسب دعم عربي ودولي واسع.
حتى المؤسسات العربية الناشئة آنذاك لم تمنح القضية التونسية ما تستحقه من اهتمام، فانشغلت بملفات أخرى، ووجد شعب بأكمله نفسه في مواجهة آلة استعمارية لا تؤمن إلا بمنطق القوة.
في تلك اللحظة الدقيقة، فتحت الرياض أبوابها أمام الحبيب بورقيبة ورفاقه.
ولم يكن ذلك مجرد استقبال بروتوكولي أو مجاملة سياسية، بل تعبيراً عن رؤية عربية عميقة تعتبر أن قضايا التحرر لا تتجزأ، وأن الدفاع عن استقلال تونس هو دفاع عن كرامة الأمة العربية بأسرها.
كان المغفور له الملك عبدالعزيز ينظر إلى المنطقة بعين رجل الدولة الذي يستشرف المستقبل، لا بعين السياسي الذي يبحث عن مكاسب آنية. فقد أدرك أن مواجهة الاستعمار ليست معركة خاطفة، وإنما مسار طويل يحتاج إلى الصبر، وحسن إدارة المراحل، وتراكم الإنجازات الصغيرة التي تصنع في النهاية انتصاراً كبيراً.
وهي الرؤية نفسها التي ستصبح لاحقاً أحد أعمدة النهج السياسي الذي اعتمده بورقيبة في معركة الاستقلال.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في تلك المحطة التاريخية أن الزعيم الراحل بورقيبة، القادم من الجامعات الفرنسية والمتشبع بالفكر السياسي الأوروبي، خرج من لقائه بالملك المؤسس بانطباع بالغ الإعجاب. فقد اكتشف أن الحكمة السياسية لا تُصنع في قاعات الجامعات وحدها، وإنما تصوغها أيضاً التجربة، والقدرة على قراءة موازين القوى، وفهم طبائع الشعوب وتحولات التاريخ.
ولم يقتصر الموقف السعودي على الدعم السياسي والرمزي، بل امتد إلى المساندة العملية التي مكّنت الحركة الوطنية التونسية من مواصلة نضالها في الداخل والخارج.
وكان ذلك تجسيداً لفلسفة عربية أصيلة، تؤمن بأن التضامن الحقيقي يقاس بالأفعال لا بالشعارات، وبالمواقف لا بالخطب الرنانة.
غير أن هذه الوقائع لم تحظ بما تستحقه من حضور في الذاكرة العربية.
فقد تعرض تاريخ العلاقات بين المشرق والمغرب العربيين إلى قدر كبير من التشويه والانتقائية.
ولم يكن ذلك وليد الصدفة، بل نتيجة تراكمات استعمارية وسياسية وأيديولوجية أعادت تشكيل الوعي الجماعي، حتى بدا الخليج العربي في بعض السرديات وكأنه بعيد عن قضايا المغرب العربي، رغم أن الحقائق التاريخية تؤكد العكس.
لقد أدرك الاستعمار أن أخطر ما يمكن أن يوحّد الشعوب ليس الجغرافيا وحدها، بل الذاكرة المشتركة أيضاً.
لذلك لم يكتف بالهيمنة على الأرض، بل سعى إلى الهيمنة على الرواية التاريخية نفسها، وإضعاف الروابط الثقافية والإنسانية التي تجمع العرب من المحيط إلى الخليج.
ثم جاءت لاحقاً الانقسامات الأيديولوجية لتوسع هذا الشرخ، فامتلأت الساحة بخطابات قسمت العرب إلى معسكرات متقابلة، وكرست صوراً نمطية متبادلة حجبت الحقائق أكثر مما كشفتها.
ولسنوات طويلة، قدِّم الخليج في بعض الخطابات الإعلامية والثقافية باعتباره مجرد فضاء نفطي، بينما غيبت أدواره السياسية ومساهماته في دعم قضايا العرب وبناء الاستقرار الإقليمي.
وفي المقابل، غابت عن الوعي الخليجي أيضاً صفحات عديدة من تاريخ النضال المغاربي، وكأن المسافة بين الطرفين أكبر من أن تختصرها اللغة الواحدة والدين المشترك والمصير الواحد.
لكن السنوات الأخيرة حملت معها مراجعة هادئة لهذه التصورات. فقد ظهر جيل عربي جديد، أقل تأثرا برواسب الاستعمار والصراعات الأيديولوجية، وأكثر انفتاحا على المعرفة والبحث التاريخي. جيل بدأ يقرأ التاريخ بعيداً عن الأحكام الجاهزة، ويرى في دول الخليج شريكا في صناعة التحولات العربية، لا مجرد متفرج عليها، كما بات يدرك أن النهضة التنموية التي تعيشها المملكة العربية السعودية ودول الخليج ليست حدثاً عابراً، بل ثمرة تراكم طويل من بناء الدولة والاستثمار في الإنسان.
ومن هنا، فإن استحضار قصة الدعم السعودي للحركة الوطنية التونسية لا ينبغي أن يكون مجرد احتفاء بذكرى تاريخية، بل دعوة صريحة إلى إعادة قراءة تاريخنا العربي بعيدا عن الانتقائية والاختزال.
فالأمم التي تعترف بكل من أسهم في صناعة مستقبلها تمتلك وعيا أكثر توازنا، وتكون أقدر على بناء شراكاتها في الحاضر والمستقبل.
إن المملكة العربية السعودية لم تكن يوماً بعيدة عن هموم العرب، كما أن المغرب العربي لم يكن يوما خارج الامتداد الطبيعي للمشرق.
وما بين الرياض وتونس صفحات كثيرة لم تُكتب بعد، أو كُتبت بحبر باهت، تنتظر مؤرخين ينفضون عنها غبار النسيان ويعيدون إليها ما تستحقه من إنصاف.
فالإنصاف الحقيقي يكون بإعادة الاعتبار للوقائع كما جرت، وبالاعتراف بأن صناعة التاريخ العربي كانت دائماً جهداً مشتركاً، ساهمت فيه عواصم كثيرة، وكانت الرياض واحدة من أبرزها حين وقفت إلى جانب تونس في معركتها من أجل الحرية والاستقلال.