محمد بن عبدالله آل شملان
في الوقت الذي تتكثف فيه الجهود الإقليمية والدولية لخفض التوتر وإعادة الاستقرار إلى منطقة الخليج، تصر إيران على إعادة إنتاج نهجها التقليدي القائم على التصعيد وإثارة الأزمات، في سلوك يعكس غياب الإرادة الحقيقية لبناء علاقات طبيعية مع محيطها، ويؤكد أن تصدير الأزمات لا يزال أحد أبرز أدوات سياستها الخارجية.
فالاعتداء الذي طال البحرين والكويت لم يكن حدثاً معزولاً أو تصرفاً عابراً، بل جاء في توقيت بالغ الحساسية، تزامن مع مساعٍ سياسية ودبلوماسية لإعادة الهدوء إلى المنطقة، خصوصاً بعد مؤشرات الانفراج التي أعقبت التفاهمات الأخيرة بين طهران وواشنطن. إلا أن هذا السلوك الإيراني أعاد التأكيد أن لغة القوة والتهديد لا تزال تتقدم على منطق الحوار، وأن أي انفراج سياسي يبقى مهددًا ما دامت طهران تنظر إلى الأزمات باعتبارها وسيلة لتعزيز نفوذها.
ولطالما أثبتت دول الخليج أنها الأكثر حرصاً على تجنيب المنطقة ويلات التصعيد، متمسكة بخيار الحوار واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، رغم ما تعرضت له من اعتداءات متكررة استهدفت أمنها واستقرارها. ومع الإعلان عن التفاهمات التي أنهت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، ساد اعتقاد بأن المنطقة قد تدخل مرحلة جديدة عنوانها التهدئة وبناء الثقة، غير أن التطورات الأخيرة بددت جانباً كبيراً من تلك الآمال.
فالوقائع على الأرض تشير إلى أن طهران لا تزال تتعامل مع الاتفاقات السياسية باعتبارها أدوات مرحلية لتخفيف الضغوط وكسب الوقت، أكثر من كونها التزاماً استراتيجياً بتغيير السلوك. ويعزز هذا الانطباع استمرار التهديدات للممرات البحرية، وتكرار المواقف المتناقضة، إلى جانب الأعمال العدائية التي تتنافى مع الخطاب الدبلوماسي الذي تحاول إيران تسويقه للمجتمع الدولي.
إن استهداف البحرين والكويت، إلى جانب استمرار التهديدات التي تطال أمن الملاحة في مضيق هرمز، يكشف أن السياسة الإيرانية ما زالت قائمة على ازدواجية واضحة؛ دبلوماسية في العلن، وتصعيد ميداني كلما رأت القيادة الإيرانية أن ذلك يخدم حساباتها السياسية أو العسكرية. وهذه الازدواجية تجعل من الصعب الوثوق بأي التزامات أو تفاهمات لا تقترن بتغيير حقيقي في السلوك واحترام واضح للقانون الدولي.
كما أن أمن الخليج لا يمكن أن يبقى رهينة لحسابات إيرانية ضيقة أو أوراق ضغط تستخدمها طهران كلما واجهت أزمات داخلية أو خارجية. فاستقرار المنطقة مسؤولية جماعية، ولا يمكن تحقيقه في ظل استمرار سياسة التهديد للممرات البحرية، وتعريض أمن الطاقة العالمي للخطر، وتقويض أسس حسن الجوار التي يفترض أن تحكم العلاقات بين دول الإقليم.
لقد جاءت هذه الاعتداءات بعد تعهدات إيرانية معلنة باحترام سيادة دول المنطقة ووقف الأعمال العسكرية، الأمر الذي يثير تساؤلات مشروعة حول مدى جدية تلك التعهدات، ويعيد إلى الواجهة الشكوك بشأن مصداقية الالتزامات التي تعلنها طهران في المحافل السياسية، بينما تنقضها عملياً على الأرض.
ومن هنا، فإن استعادة الثقة بين إيران ودول الخليج لن تتحقق بمجرد البيانات أو مذكرات التفاهم، وإنما تتطلب تغييراً جذرياً في النهج، يقوم على احترام سيادة الدول، والالتزام بالقانون الدولي، والكف عن استخدام القوة والتهديد وسيلة لتحقيق المكاسب السياسية. وحتى يحدث ذلك، ستظل الثقة غائبة، وسيبقى الاستقرار الإقليمي رهيناً بسلوك طرف لم يثبت حتى الآن أنه مستعد للانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة السلام الحقيقي.