رسيني الرسيني
شركات التأمين لا تبيع سلعة ملموسة، وإنما تبيع وعد للحماية من مخاطر قد لا تقع إلا بعد أشهر أو سنوات. ولعقود طويلة، واجه المستثمرون تحديًا يتمثل في كيفية قياس الأداء الحقيقي لشركات التأمين، إذ كانت الأرقام المحاسبية لا تعكس دائمًا الصورة الاقتصادية الكاملة. فقد تظهر شركة بمعدلات نمو مرتفعة في الأقساط، بينما تخفي تلك الأقساط التزامات مستقبلية ضخمة أو تسعير غير دقيق للمخاطر. ومن هنا برزت الحاجة إلى إطار محاسبي أكثر قدرة على عكس الواقع الاقتصادي للنشاط التأميني، وهو ما جاء به المعيار الدولي لإعداد التقارير المالية رقم 17 (IFRS 17)، الذي يُعد أحد أكبر التحولات المحاسبية في تاريخ قطاع التأمين الحديث.
قبل تطبيق المعيار الجديد كانت القوائم المالية تعتمد بدرجة كبيرة على الأقساط المكتتبة والمكتسبة كمؤشرات رئيسة للأداء، مع وجود تفاوت ملحوظ بين الشركات في أساليب القياس والاعتراف بالإيرادات والأرباح. كما لم تكن الإيرادات المعروضة في القوائم المالية تعكس دائمًا مقدار الخدمة التأمينية التي قدمتها الشركة خلال الفترة المالية. أما بعد تطبيق المعيار، فإن من أهم التعديلات هي انتقال التركيز من حجم الأقساط إلى الخدمة التأمينية المقدمة، فأصبح الاعتراف بالإيرادات يتم تدريجيًا مع مرور فترة التغطية التأمينية، ولتبسيط المسألة فهي مشابهة لاعتراف شركات الطيران بإيرادات الرحلة عند تقديم الخدمة للعميل وليس عند بيع التذكرة فقط.
من منظور اقتصادي، يمكن النظر إلى معيار 17 على أنه محاولة لتحسين جودة المعلومات المتاحة للأسواق المالية. فالأسواق لا تحتاج إلى مزيد من الأرقام بقدر حاجتها إلى أرقام تعكس الحقيقة الاقتصادية بصورة أفضل. وعندما تصبح الأرباح مرتبطة بالخدمة المقدمة فعليًا بدلاً من مجرد تحصيل الأقساط، يصبح من الأسهل على المستثمرين والمحللين تقييم الأداء الحقيقي للشركات ومقارنة نتائجها بصورة أكثر عدالة. كما يساعد المعيار على كشف المحافظ الخاسرة أو المنتجات غير المربحة في وقت مبكر، مما يدفع إدارة الشركات إلى تحسين التسعير وإدارة المخاطر بدلاً من الاعتماد على النمو في حجم الأعمال فقط. وبذلك يتحول التركيز من السعي وراء زيادة الأقساط إلى السعي وراء تحقيق جودة أعلى في الاكتتاب وإدارة المطالبات.
ولا تقتصر القيمة المضافة للمعيار على شركات التأمين وحدها، وإنما تمتد إلى القطاع المالي والاقتصاد ككل. فزيادة الشفافية تعزز ثقة المستثمرين وتحسن كفاءة تخصيص رأس المال، وتدعم قدرة الجهات الرقابية على رصد المخاطر بشكل أكثر دقة. كما أن توحيد أسس القياس بين الشركات والأسواق المختلفة يسهم في جذب الاستثمارات وتسهيل المقارنات الدولية. والأهم من ذلك أن المعيار يرسخ ثقافة اقتصادية جديدة داخل قطاع التأمين تقوم على فهم الربحية الحقيقية بدلاً من الاكتفاء بمؤشرات النمو الظاهري. لذلك، ورغم ما صاحب تطبيقه من تحديات تقنية وتشغيلية، فإن المعيار لا يمثل مجرد تغيير محاسبي، وإنما خطوة نحو قطاع تأمين أكثر نضجًا وقدرة على دعم الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي على المدى الطويل.
حسنًا، ثم ماذا؟
لم يعد من السهل تأجيل الخسائر، فالأرباح الآن مرتبطة بالخدمة الفعلية والمخاطر الحقيقية، وعليه من المتوقع تحسين جودة القرارات وتعزيز الثقة في قطاع التأمين ككل.