سحر العمادي
بيئات العمل ليست مجرد ساحات لإنجاز المهام وتحقيق الأرباح، بل هي مجتمعات إنسانية مصغرة تتشابك فيها المصالح، وتتقاطع فيها الآراء، ومن الطبيعي جداً أن تولد فيها الخلافات. لكن المحك الحقيقي لنبل الإنسان وأخلاقه الإدارية لا يظهر في أوقات التناغم والنجاح، بل يتجلى بوضوح في «أدب الخصام» عندما تشتعل الأزمات أو تظهر مطالبات قانونية ومالية معقدة بين أطراف العمل.
عندما تقع أزمة مالية، أو يُكتشف خلل في المسحوبات، أو يحدث تباين في تفسير بنود عقد ما، يميل الكثيرون غريزياً إلى اتخاذ موقف هجومي شخصي، وينسون في لحظة غضب كل سنوات الزمالة أو النجاحات المشتركة. هنا يأتي «أدب العلاقات» ليكون صمام الأمان الذي يفصل بين «الخلاف المهني» وبين «الاحترام الإنساني».
ومن أكبر الأخطاء التي نقع فيها عندما يشتد الخلاف في العمل، هو القفز مباشرة إلى محاكمة النوايا. فجأة، يتحول خطأ غير مقصود في تقرير مالي من زميل إلى «مؤامرة مدبرة لإيذائنا»، ويتحول تأخر شريك في السداد إلى «رغبة في الاحتيال».
النبيل في خصومته هو من يملك شجاعة إعطاء المساحة للاحتمال الآخر؛ فيناقش «الفعل» ويبحث عن «السبب الموضوعي أو الإجرائي» قبل أن يهاجم «شخص» الطرف الآخر. عندما تحصر الخلاف في إطاره الموضوعي (أرقام، بنود، مواعيد)، فإنك تسحب فتيل الانفعال وتجعل الحل ممكناً، أما إذا هاجمت ذمة الطرف الآخر أو ذكاءه، فقد تحول الخلاف المهني إلى معركة كسر عظم شخصية لا رابح فيها.
إن إدارة الخلافات بنبل تبدأ من القدرة على ضبط النبرة؛ فالخطابات الرسمية والرسائل التي تصاغ في أوقات الأزمات يجب أن تحافظ على وقارها واحترافيتها العالية. المطالبة بالحقوق، حتى وإن كانت صارمة وتلوّح بإجراءات قانونية، لا بد أن تترفع عن التجريح الشخصي أو الاتهامات المرسلة دون مستندات تؤيدها. الحفاظ على الهدوء في صياغة المراسلات يمنح صاحبه قوة الحجة، ويترك دائماً خطا للرجعة أو الحل الودي.
وفي عصر التواصل الفوري اليوم، تبرز مهارة «التأني الرقمي» كجزء لا يتجزأ من أدب الخصام. كتابة إيميل غاضب وضغط زر «إرسال» في ثوانٍ قد يدمر علاقة استمرت سنوات. النبلاء يكتبون ردودهم لإفراغ شحنة الغضب، ثم يتركونها في مسوّدات الإيميل لليوم التالي، ليعيدوا قراءتها بعيون باردة وعقول متزنة قبل الإرسال.
والمظهر الآخر لأدب الخصام المهني هو حفظ الأسرار؛ فمن النبل ألا تتحول أسرار العمل، أو تفاصيل الأزمات الداخلية للمؤسسة، إلى مادة للمجالس أو وسيلة للضغط وتشويه السمعة عند حدوث أي نزاع. النزاهة تقتضي أن تُحل الخلافات في غرف الاجتماعات المغلقة أوعبر القنوات النظامية الرسمية، دون اللجوء إلى أساليب تصفية الحسابات الشخصية التي تضر بالمنظومة ككل.
بعضهم عندما يختلف مع إدارته أو شريكه، يسارع إلى «تجنيد الحلفاء» داخل المكتـب، فيبدأ بنشر القصاصات السلبية وتشويه صورة الطرف الآخر بين الموظفين. هذا السلوك لا يضعف موقف صاحبه فحسب، بل يسمم بيئة العمل بالكامل ويحولها إلى معسكرات متناحرة، بينما يقتضي النبل حصر النزاع بين أطرافه المباشرين فقط.
وليس كل خلاف ينتهي بالصلح، فبعض المعضلات المالية أو الاستراتيجية قد تصل بالعلاقة المهنية إلى طريق مسدود، ويكون «الفراق» هو الحل الأمثل. وهنا تظهر الأخلاق المهنية؛ كيف ننهي هذه الشراكة أو هذا العقد؟
إن لحظة إنهاء العلاقة (سواء كانت استقالة، أو فض شراكة، أو إقالة) هي المرآة الحقيقية لمعدن الإنسان. النبيل يسلم مهامه كاملة، ويسدد ما عليه من عهد، ويطلب حقوقه بالتي هي أحسن دون لجوء لأساليب المماطلة أو التعطيل كنوع من الانتقام الخفي. إنه يدرك أن الأسواق المهنية صغيرة جداً، وأن من تلتقي به اليوم كخصم، قد تحتاجه غداً كحليف أو كمرجع مهني يحدد مستقبلك.
وعلى الجانب الآخر، يقع العبء الأكبر في أدب الانفصال على عاتق «المسؤول» أو صاحب العمل؛ فالسلطة التي يمتلكها هي اختبار حقيقي لإنسانيته ونبله.
إن القائد الحقيقي لا يتعامل مع قرار الموظف بالاستقالة، أو مع قرار الإدارة بالاستغناء عنه، كـ»معركة شخصية» أو خيانة للشركة. النبل الإداري يقتضي من المسؤول أن يُدير جلسة المرجعية أو التقييم الأخير بوقار يحفظ كرامة الموظف، بعيداً عن أساليب التهميش، أو تقليل الإنجازات، أو حجب المستحقات المالية كوسيلة للضغط والتعجيز.
المسؤول الراقي هو من يسهّل إجراءات الخروج، ويشكر الطرف الآخر على ما قدمه من جهد (حتى وإن اختلفا في النهاية)، ويحرص على أن يغادر الموظف وهو يحمل انطباعاً عادلاً؛ فالشركات العظيمة تُعرف بكيفية وداعها لموظفيها ومشاركيها، تماماً كما تُعرف بكيفية استقبالها لهم. إن إغلاق الأبواب بابتسامة واحترام متبادل، لا يحمي فقط السمعة المؤسسية للشركة، بل يحفظ خطوط الرجعة لإمكانية التعاون المستقبلي في ميادين أخرى.
في النهاية، الخصام في بيئة العمل هو اختبار حقيقي لـ «الوعي الإداري الإنساني». الشراكات قد تنتهي، والموظفون قد يرحلون، والنزاعات المالية والقانونية قد تأخذ مجراها النظامي، ولكن «الأثر الطيب» والسمعة المهنية النقية هما ما يبقى. القائد أو الموظف النبيل هو من يختلف بفروسية، ويسعى لحفظ الحقوق بذكاء وحزم، دون أن يكسر غصن الاحترام المتبادل الذي يربطه بالآخرين.
** **
- كاتبة وباحثة في التطوير الإداري والتقني