محمد عادل
معظم أصحاب الشركات اليوم يسعون للنمو السريع سواء لزيادة المبيعات، عملاء أكثر، فروع جديدة، أو فريق عمل يكبر يوما بعد يوم، لكن هل يمكن أن يتحول النمو نفسه يوما ما إلى مشكلة؟
في البداية قد يبدو الأمر غريبا، ولكن ليس كل نمو يعتبر نموا صحيا فالتوسع السريع في ظاهره يعني أن الشركة أصبحت أقوى ولكن في الحقيقية قد تكون تتحرك بسرعة أكبر من قدرة إدارتها على المواكبة، فالنمو الحقيقي لا يقاس فقط بالأرقام وإنما بقدرة الشركة على استيعاب هذا التوسع دون أن تفقد السيطرة على عملياتها وفرقها وقراراتها على المدى البعيد.
لكن ما الذي يجعل النمو السريع يتحول من فرصة واعدة إلى تحدٍ إداري حقيقي؟ لأن التوسع السريع يفرض على الشركات تحديات جديدة لم تكن موجودة في المراحل الأولى، وكلما زاد حجم الأعمال زادت الحاجة إلى تطوير أساليب الإدارة والأنظمة الداخلية لمواكبة هذا النمو.
ومن أبرز هذه التحديات: إدارة الموارد البشرية فمع زيادة حجم الأعمال، تزداد الحاجة إلى توظيف عناصر جديدة خلال فترات زمنية قصيرة، وهنا لا يصبح التحدي مقتصرا على التوظيف فقط، بل يمتد إلى اختيار الكفاءات المناسبة، تدريب وتأهيل الموظفين الجدد، دمجهم داخل بيئة العمل، الحفاظ على مستوى أداء متقارب بين جميع الفرق، الحفاظ على ثقافة الشركة في المراحل الأولى تكون ثقافة الشركة وقيمها واضحة وسهلة الانتقال بين الجميع، لكن مع التوسع يصبح الحفاظ عليها أكثر صعوبة، وقد تظهر بعض المؤشرات مثل اختلاف أساليب العمل بين الفرق، تراجع الشعور بالانتماء، ضعف الالتزام بالقيم المؤسسية، ظهور فجوات في التواصل بين الإدارات، تعقيد عملية اتخاذ القرار ما كان يحسم في دقائق داخل شركة صغيرة قد يحتاج إلى وقت أطول داخل شركة تنمو بسرعة، وذلك بسبب: تعدد المستويات الإدارية، زيادة عدد أصحاب المصلحة، تضارب الأولويات بين الإدارات، بطء الاستجابة للمتغيرات، الأنظمة والعمليات التشغيلية فالأنظمة التي كانت مناسبة لشركة صغيرة قد لا تكون فعالة بعد التوسع، مما يفرض الحاجة إلى: توثيق الإجراءات والسياسات، تطوير أنظمة المتابعة والتقارير، أتمتة بعض العمليات التشغيلية، تحسين أدوات قياس الأداء.
ولعل هذا ما يفسر لنا لماذا نجحت بعض الشركات في تحويل نموها السريع إلى نجاح مستدام، بينما تعثرت شركات أخرى رغم تحقيقها معدلات نمو مذهلة، فمثلا قصة WeWork من أشهر الأمثلة على ذلك، فالشركة حققت نموا استثنائيا خلال فترة قصيرة للغاية، وتوسعت في أسواق متعددة وارتفعت قيمتها إلى نحو 47 مليار دولار، حتى بدت للكثيرين وكأنها قصة نجاح لا يمكن إيقافها، ولكن مع مرور الوقت بدأت التحديات الإدارية والتنظيمية في الظهور، واتضح أن وتيرة التوسع كانت أسرع من قدرة الشركة على بناء أنظمة وعمليات إدارية تدعم هذا النمو، فلم تكن المشكلة في غياب العملاء أو الفرص، بل في أن الإدارة لم تنم بالسرعة نفسها التي نمت بها الشركة.
ولكن يبقى السؤال وهو كيف تدير النمو دون فقدان السيطرة؟ لا يمكن منع التحديات المصاحبة للنمو، لكن يمكن الاستعداد لها وتقليل آثارها من خلال مجموعة من الممارسات المهمة: بناء هيكل تنظيمي واضح يحدد المسؤوليات والصلاحيات، الاستثمار في تطوير القيادات الحالية وإعداد قيادات جديدة، تحسين الأنظمة التشغيلية بشكل مستمر، الاعتماد على البيانات في اتخاذ القرارات، التخطيط للتوسع قبل حدوثه وليس بعده، مراجعة العمليات الداخلية بشكل دوري للتأكد من ملاءمتها لحجم الشركة الحالي.
في النهاية، ربما لا يكون السؤال الأهم: «كيف نجعل الشركة تنمو أسرع؟» بل: «هل نحن مستعدون لإدارة هذا النمو عندما يحدث؟» لأن النمو السريع قد يكون فرصة استثنائية، لكنه في الوقت نفسه اختبار حقيقي لقدرة الشركة على الاستمرار، فالشركات لا تتعثر دائما بسبب ضعف النمو، بل أحيانا بسبب نجاحها في النمو أسرع مما تستطيع إدارته.