خالد محمد الدوس
في زمن تتسارع فيه التغيرات المناخية وتتناقص فيه الموارد الطبيعية، يبرز الاقتصاد الأخضر كحاجة مَلِحَّة، لا مجرد خيار ترفيهي. فبعد عقود من نموذج الاقتصاد التقليدي القائم على الاستنزاف والتلوث، أصبح العالم اليوم بحاجة ماسة إلى تحول جذري يضع البيئة والرفاهية البشرية في صميم الأولويات.
يُعرف «الاقتصاد الأخضر».. -من منظور علم الاجتماع البيئي- بأنه نموذج اقتصادي يهدف إلى تحسين رفاهية الإنسان وتحقيق المساواة الاجتماعية، مع خفض حاد للمخاطر البيئية وندرة الموارد. بعبارة أبسط، هو اقتصاد منخفض الكربون، فعال في استخدام الموارد، وشامل اجتماعياً. لا يرفض هذا المفهوم النمو الاقتصادي، بل يعيد توجيهه نحو الاستثمارات والتقنيات التي تحمي كوكبنا بدلاً من استنزافه!
يمتد «الاقتصاد الأخضر» ليشمل قطاعات حيوية متعددة. ففي مجال الطاقة، يتحول العالم نحو مصادر متجددة مثل الشمس والرياح والهيدروجين الأخضر، مبتعداً عن الوقود الأحفوري. أما في النقل، فتنتشر السيارات الكهربائية وأنظمة النقل العام منخفضة الكربون. وفي الزراعة، يُتجه نحو ممارسات مستدامة تقلل المبيدات وتحافظ على التربة والمياه. كما تشمل المجالات إدارة النفايات وإعادة التدوير، وتشييد المباني الخضراء الموفرة للطاقة.
يقدم هذا النموذج مكاسب متعددة؛ بيئياً، يساهم في خفض انبعاثات الغازات الدفيئة والحفاظ على التنوع البيولوجي. اقتصادياً، يخلق فرص عمل جديدة في قطاعات مثل الطاقة المتجددة والتدوير، ويقلل تكاليف الطاقة والمياه على المدى الطويل. اجتماعياً، يُحسّن جودة الحياة عبر هواء أنظف ومدن أكثر صحة، ويعزز العدالة في الوصول إلى الموارد.
ثمة دول خطت خطوات متقدمة في هذا المجال؛ فالدنمارك، مثلاً، تستمد أكثر من 50 % من كهربائها من طاقة الرياح، بينما تستخدم كوستاريكا أكثر من 98 % من طاقتها من مصادر متجددة. وأطلقت ألمانيا «تحول الطاقة» الطموح للتخلي عن الطاقة النووية والفحم بحلول 2038.
وعند الحديث عن «الاقتصاد الأخضر» في منطقتنا العربية، تبرز المملكة العربية السعودية كنموذج رائد في التحول نحو المستقبل المستدام. فمنذ إطلاق رؤية 2030، تضع المملكة الاستدامة البيئية في صلب أولوياتها، متبعةً نهجاً متكاملاً يجمع بين خفض الانبعاثات، وتوسيع الرقعة الخضراء، وابتكار حلول اقتصادية مبتكرة. وتمثل مبادرة الشرق الأوسط الأخضر (MGI)، التي أطلقتها المملكة في عام 2021، أكبر تحرك إقليمي من نوعه. تهدف المبادرة إلى زراعة 50 مليار شجرة في المنطقة، وإعادة تأهيل 200 مليون هكتار من الأراضي المتدهورة، وهو ما يمثل نحو 5 % من الهدف العالمي لتوسيع الغطاء النباتي. كما تساهم المبادرة في خفض 670 مليون طن من انبعاثات الكربون، أي ما يعادل 10 % من المساهمات العالمية.
وهكذا، تثبت المملكة العربية السعودية أن التحول إلى الاقتصاد الأخضر لا يتعارض مع كونها منتجاً رئيسياً للطاقة التقليدية. فمن خلال مبادرة الشرق الأوسط الأخضر، ومبادرة السعودية الخضراء، ونموذج الاقتصاد الدائري للكربون، تقدم المملكة نموذجاً طموحاً ومتكاملاً لدول المنطقة والعالم. إنه نموذج يثبت أن التنمية الاقتصادية وحماية البيئة يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب، وأن المستقبل المستدام يبدأ بقرارات جريئة اليوم.
الخلاصة.. الاقتصاد الأخضر ليس ترفاً فكرياً، ولا موضة عابرة في زمن التغيرات المتسارعة؛ بل هو إعادة تعريف لعلاقتنا مع كوكبنا، وتحويل مسار التنمية من التعدي على الموارد إلى شراكة مع الطبيعة. نعم، الطريق وعِر، والتكاليف باهظة، والتحديات كبيرة، لكن ثمن الجمود أقسى، ومغبة التردد أفدح. وما تجسده المملكة العربية السعودية اليوم من مبادرات طموحة، في قلب منطقة تعد من أكثر مناطق العالم تأثراً بالمناخ، إلا دليل على أن الإرادة السياسية والرؤية الإستراتيجية قادرتان على صنع المستقبل قبل انتظاره. إنه خيار الحكمة، واستثمار في الغد، حيث تزدهر المجتمعات ليس رغم بيئتها، بل بفضلها. فلتكن خطوتنا اليوم نحو الاستدامة واثقة، ولتكن بصمتنا على الأرض خضراء، لأن ما نزرعه الآن من قرارات هو ما سنحصده غداً من حياة لنا وللأجيال القادمة.