منذ توحيد المملكة العربية السعودية على يد باني نهضتها ووحدتها الملك عبدالعزيز بن عبد الرحمن آل سعود -طيب الله ثراه- حظي الحرمان الشريفان بعناية كبيرة، حيث جعل هو وأبناؤه البررة خدمتهما ورعاية قاصديهما من أهم أولوياتهم، وشملت جهودهم التوسعة، والترميم، وتطوير الخدمات، وتيسير أداء مناسك الحج والعمرة، وذلك استشعارًا منهم للمسؤولية والشرف العظيم الذي خص الله به دولتنا العظيمة لرعاية الحرمين الشريفين.
ولنلق بعض الضوء على تلك العناية والرعاية بشيء من التفصيل:
أولاً: عهد الملك عبد العزيز
1319 - 1373هـ/ 1901 - 1953م
بادر -يرحمه الله- منذ دخول مكة المكرمة وتوليه شؤون الحرمين الشريفين إلى عمارتهما وخدمة قاصديهما، وكان من أبرز ما قام به:
الأمر بترميم المسجد الحرام ترميمًا كاملاً، وإصلاح كل ما يقضي إصلاحه، مع ترخيم المسجد الحرام وتجديد الألوان وتم ذلك في عام 1344هـ/ 1925م.
وضع السرادقات (الخيام أو الصيوان) في صحن المسجد الحرام لتقي المصلين حر الشمس في عام 1345هـ/ 1926م.
إصلاح مظلة إبراهيم وقبة زمزم وشاذون الكعبة المشرفة عام 1345هـ/ 1926م.
كما أمر بنصب سرادقات بصحن المطاف، وعمل مظلات ثابتة في أطراف الصحن مثبتة بالأروقة، تنشر وتلف عند الحاجة.
وفي عام 1346هـ/ 1927م أمر -يرحمه الله- بإنشاء أول مصنع لكسوة الكعبة المشرفة في مكة المكرمة وتبليط المسعى بالحجر الصيوان المربع وبنى بالنورة، وكان ذلك أول مرة في التاريخ.
وجه -يرحمه الله- أيضًا بإزالة نواتي الدكاكين التي ضيقت المسعى، فصار المسعى في غاية الاستقامة مع تجديد السبيل القديم، وأمر بإصلاح الحجر المفروش على مدار المطاف وإصلاح أرض الأروقة.
وفي عام 1354هـ/ 1935م أمر بإزالة الحصاء القديمة واستبدالها بأخرى جديدة، كما أمر في عام 1366هـ/ 1946م بتجديد سقف المسعى، وأمر بعمل باب جديد للكعبة مغطى بصفائح من الفضة الخالصة محلاه بآيات قرآنية، نقشت بأحرف من الذهب الخالص.
ثانيًا: عهد الملك سعود بن عبدالعزيز 1373-1384هـ/ 1953-1964م
وجه الملك سعود بن عبد العزيز -يرحمه الله- بالآتي:
تركيب مضخة مياه زمزم في عام 1373هـ /1953م وإنشاء بناية لسقيا زمزم أمام بئر زمزم في عام 1374هـ/ 1954م بعد بناء المسعى بطابقيه، وتوسعة المطاف، فصار بئر زمزم في القبو وتم تزويده بصنابير الماء ومجرى للماء المستعمل.
أمر -يرحمه الله- بترميم الكعبة المشرفة في عام 1377هـ/ 1957م حيث غير سقف الكعبة العلوي والسفلي بالكامل، وعولجت أحجار الكعبة التي تعرضت للتشقق وتراكم التراب عليها.
ثالثًا: عهد الملك فيصل بن عبد العزيز
1384 - 1395هـ/ 1964 - 1975م
وفي عهد الملك فيصل -يرحمه الله- واصل إنجاز توسعة المسجد الحرام، حيث تم إزالة البناء القائم على مقام إبراهيم توسعة للطائفين، ووضع المقام في غطاء بلوري عام 1387هـ/ 1967م ووجه بناء مبنى لمكتبة الحرم المكي الشريف وذلك في عام 1391هـ/ 1971م وبناء مصنع كسوة الكعبة المشرفة في موضعه الجديد في أم الجود وتوسيع أعماله، وافتتاحه بعد تمام البناء والتأثيث، وذلك بعد وفاته -يرحمه الله- في عام 1397هـ/ 1977م واكتمال توسعة المطاف التي بدأت في عهده أيضًا وافتتحت بعد وفاته في عام 1398هـ/ 1978م وفرش أرضيته برخام مُقاوم للحرارة ونقل المنبر والمكبرية، وتوسيع قبو زمزم وجعل مدخله قريبًا من حافة المسجد القديم من جهة المسعى.
رابعًا: عهد الملك خالد ابن عبدالعزيز 1395 - 1402هـ/ 1975- 1981م
غير -يرحمه الله- باب الكعبة المشرفة في عام 1399هـ/ 1978م إلى باب من الذهب الصافي، صنعه شيخ الصاغة آنذاك أحمد بن إبراهيم بدر، وقد استخدم فيه 280 كجم من الذهب الخالص في صناعته حيث يعد أكبر كتله ذهب في العالم، وعمل باب داخل الكعبة للصعود من داخلها من الذهب الخالص أيضًا وهو «باب التوبة».
خامسًا: عهد الملك فهد بن عبدالعزيز 1402 - 1426هـ/ -1981 2005م
وفي عهد الملك فهد بن عبد العزيز –يرحمه الله- شهد المسجد الحرام توسعة كبيرة بدأت في عام 1403هـ/ 1982م حيث بلغت مساحتها من خلال العقارات التي تم إدخالها ضمن التوسعة 30 ألف متر مربع هيئت لساحات مؤقتة للصلاة قبل البدء بأعمال البناء عليها وفي عام 1406هـ/ 1985م أمر -يرحمه الله- بتبليط سطح التوسعة السعودية الأولى بالرخام البارد المقاوم للحرارة، وبإنشاء سلالم كهربائية بالمسجد الحرام وبناء جسور علوية للدخول إلى الطابق الأول.
وفي عام 1409هـ/ 1988م وضع الملك فهد بن عبد العزيز – يرحمه الله - حجر الأساس للبدء في التوسعة السعودية الثانية. وكانت توسعة عظيمة.
وفي عام 1417هـ/ 1996م جرى الترميم الشامل والدقيق بأعلى المواصفات العمرانية العصرية للكعبة المشرفة، حيث مكثت الكعبة قبل ذلك 375 عامًا بدون ترميم شامل.
سادسًا: عهد الملك عبد الله بن عبدالعزيز 1426 - 1436هـ/ 2005-2015م
وفي عهد الملك عبد الله بن عبد العزيز -يرحمه الله- بدأت التوسعة السعودية الثالثة للحرم المكي والتي تعد أكبر توسعة على مر العصور والتاريخية، وتتضمن توسعة الحرم المكي لترتفع الطاقة الاستيعابية بعد إنهاء أعمال التوسعة إلى مليوني مصل وتشتمل توسعة الساحات الخارجية على دورات مياه وممرات وأنفاق ومرافق أخرى مساندة تعمل على انسيابية الحركة في دخول المصلين وخروجهم. كما تتضمن منطقة الخدمات المتعلقة بالتوسعة وخدماتها التكييف ومحطات الكهرباء ومحطات المياه وغيرها.
سابعًا: عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز
1436هـ/ 2015م
وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز -يحفظه الله- تستمر الرعاية والعناية بالحرمين الشريفين، ومن ذلك أمره الكريم باستكمال التوسعة السعودية الثالثة للحرم المكي والمسجد النبوي ورعايته ومتابعته لمشروعات تطوير مكة المكرمة والمدينة المنورة والمشاعر المقدسة والارتقاء بالخدمات المقدمة لأهالي الحرمين وقاصديهما هذا العهد الزاهر الذي وصلت فيه خدمة الحرمين إلى مرحلة لم يسبق لها مثيل، ومن ذلك الأمر بإنشاء الهيئة الملكية لتطوير مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وإنشاء شركة المشاعر المقدسة، وتدشين قطار الحرمين، والأمر بإنشاء مطار الطائف الجديد لخدمة مكة المكرمة، وبوابة الملك سلمان، وتوجيهه الكريم باستكمال جميع مشروعات تطوير المدينتين المقدستين.
كما أن رئاسة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -يحفظه الله- للهيئة الملكية لمكة المكرمة والمشاعر المقدسة، وتفقده الكعبة المشرفة ومشروعات المسجد الحرام ومكة المكرمة والمدينة المنورة يأتي من حرصه واهتمامه وعنايته بتطوير الحرمين الشريفين، والانتقال بمدينتي مكة المكرمة والمدينة المنورة ومستوى المرافق والخدمات فيهما وفق أهداف رؤية المملكة 2030.
هذا ولله الحمد والمنة والفضل الذي أكرمنا بولاة أمر جعلوا خدمة الحرمين الشريفين وقاصديهما من أولويات اهتمامهم ابتغاء الأجر والمثوبة من الله سبحانه وتعالى.
** **
د. أحلام علي أحمد أبو قايد - أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر - بقسم التاريخ - كلية العلوم الاجتماعية - جامعة أم القرى