مهدي العبار العنزي
الوقوف تحت راية التوحيد الخفاقة ليس مجرد انتماء جغرافي، بل هو التزام وعقيدة ومنهج حياة تسامت به نفوس رجالات هذا الوطن الغالي:
يرفع علمنا يوم تنكيس الأعلام
يا راية التوحيد والنصر لك دوم
فمنذ اللحظة التاريخية التي تلاحمت فيها القلوب خلف راية «لا إله إلا الله محمد رسول الله» بقيادة الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن طيب الله ثره، انطلقت ملحمة بناء كبرى لم تقتصر على ميدان دون آخر. لقد كان لكل مجال من مجالات الحياة فرسانه ورجاله الذين وهبوا أعمارهم وجهودهم لتشييد هذا الصرح الشامخ، لتتكامل الأدوار وتتضافر الجهود في لوحة وطنية فريدة، برزت فيها معالم المجد في ثلاثة ميادين كبرى: الجندية، والعلم، والإعلام.
أولاً: رجال الجندية.. العيون الساهرة والدروع الحصينة
حين نتحدث عن حماية هذه الراية، تلوح في الأفق هامات رجال الجندية البواسل بمختلف رتبهم وقطاعاتهم. إنهم الرجال الذين نذروا أرواحهم دفاعاً عن الدين والمقدسات والتراب الطاهر.
* الذود عن الثغور: من الحد الجنوبي إلى كل شبر من حدودنا الشاسعة، يقف الجندي السعودي شامخاً كالطود، يواجه الصعاب بقلب مؤمن وعزيمة لا تلين، لتظل الطمأنينة وارفة في قلوب المواطنين والمقيمين.
* البطولة والفداء: لم يكن الجندي في وطننا يوماً مجرد موظف يؤدي واجباً، بل هو صاحب رسالة، وقيمته تنبع من عقيدته الراسخة بأن الذود عن حياض الوطن هو شرف لا يدانيه شرف، فرحم الله شهداءنا الأبرار الذين سطروا بدمائهم الزكية ملاحم الفداء، وحفظ الله المرابطين الساهرين لنا من كل سوء.
* القيادة والإدارة العسكرية: خلف هؤلاء الأبطال في الميدان، حظيت المؤسسة العسكرية برتب قيادية فذة ـ رجالاً بمرتبة وزراء ومستشارين ـ خططوا وبنوا منظومة دفاعية وأمنية حديثة تضاهي القوى العالمية، واضعين أمن المملكة خطاً أحمر لا يمكن المساس به.
وكل واحدا من هؤلاء الأبطال يردد:
اذود عن الوطن بالروح وسلاحي
هذي بلادي وانا فدوه لوحدتها..
ثانياً: رجال العلم والمعرفة.. مشاعل التنوير وبناة العقول
إذا كانت الجندية تحمي الوطن من عاديات الزمن، فإن العلم هو الحصن الداخلي الذي يبني العقول ويحمي الهوية ويقود التنمية. لقد أدركت قيادتنا منذ عهد المؤسس أن الأمام لا يُنال إلا بالعلم، فنهض رجال مخلصون حملوا هذه الأمانة.
* تأسيس المنظومة التعليمية: خاض رواد التعليم الأوائل معركة ضارية ضد الجهل، فأسسوا المدارس والجامعات والمراكز البحثية في مختلف مناطق المملكة، متنقلين بين الحواضر والبوادي لنشر نور المعرفة.
* العلماء والباحثون: برز من أبناء الوطن علماء في الشريعة، والطب، والهندسة، والعلوم التطبيقية، حققوا إنجازات وبراءات اختراع سجلت باسم المملكة في المحافل الدولية، مبرهنين على أن الإنسان السعودي قادر على ارتياد آفاق الصدارة العالمية.
* صناعة الأجيال: القيمة الحقيقية لرجال العلم تكمن في صياغة عقول الأجيال المتعاقبة، وغرس قيم الوسطية، والاعتدال، والاعتزاز بالهوية الوطنية الإسلامية، ليكون الخريج لبنة صالحاً في بناء مجتمعه:
العلم نور ومصدر العز وسلاح
به تفتخر ببلادنا كل الاجيال
ثالثاً: رجال الإعلام والكلمة.. صوت الوطن وخط الدفاع الفكري
في عالم متسارع تمثل فيه الكلمة والصورة سلاحاً لا يقل تأثيراً عن السلاح العسكري، وقف رجال الإعلام والوفاء الفكري في خطوط الدفاع الأمامية، حاملين لواء الحقيقة ومدافعين عن مقدرات الأمة.
* أصحاب الأقلام الحرة: برز في مسيرتنا كتاب رأي، وصحفيون، وأدباء، وشعراء، سخروا أقلامهم وفكرهم لخدمة قضايا الوطن، ونشر الوعي، وتفنيد الأراجيف والشائعات التي تحاول النيل من استقرار المملكة أو النيل من لحمتها الوطنية.
* صوت الوطن في المحافل: كان الإعلامي السعودي -ولا يزال- سفيراً لبلاده، ينقل للعالم قصة النهضة والبناء، ويعكس بمهارة وموضوعية مواقف المملكة وثقلها السياسي والديني والنهضوي.
* حراس الوعي والتربية: أسهمت الصحافة الوطنية، والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، ومنصات الفكر، في صياغة الرأي العام وتعميق التلاحم بين القيادة والشعب، لتكون الكلمة دائماً أداة بناء، وجمع للكلمة، وتوثيق للتاريخ والتراث الأصيل.
إعلامنا يرفض صنوف العداوات
لا للتطرف وارتكاب الحماقه
خاتمة: إن هذه الميادين الثلاثة؛ الجندية التي تحرس، والعلم الذي يبني، والإعلام الذي يوعي ويحمي الفكر، هي الأركان التي استندت عليها مسيرة النماء تحت راية التوحيد. وإن قيمة الرجال في كل هذه المجالات تتجاوز حدود العطاء الوظيفي إلى آفاق العطاء الوجودي والتاريخي.
إنهم الرجال الذين صدقوا عهدهم، وبنوا مجدنا، وتركوا لنا وطناً يشار إليه بالبنان. واليوم، ونحن نعيش عصر النهضة الشاملة والرؤية الطموحة، يجدد أبناء الوطن في كل موقع العهد والولاء، مستلهمين من مسيرة الرواد العزيمة والإصرار، لتبقى راية التوحيد شامخة، عزيزة، وخفاقة في سماء المجد إلى الأبد والله الهادي إلى سواء السبيل.