د. طلال الحربي
لم تكن مشاركة المرأة السعودية في بناء وطنها طارئةً على تاريخ هذه البلاد ولا وليدةَ لحظةٍ عابرة، بل هي امتدادٌ لمسارٍ عميق الجذور رافق نشأة الدولة منذ أن وضع المؤسس الملك عبدالعزيز -رحمه الله- لبنتها الأولى، حين كانت المرأة حاضرةً إلى جانب الرجل في البيت والحقل والسوق، تحمل من أعباء الحياة قدر ما يحمل، وتسهم في صون النسيج الاجتماعي الذي قامت عليه الوحدة الوطنية. غير أن العهد الميمون الذي نعيشه اليوم في ظل رؤية المملكة 2030 لم يكتفِ بالاعتراف بهذا الحضور التاريخي، بل أعاد صياغته على نحوٍ مؤسسيٍّ واعٍ، فحوّل المشاركة من ممارسةٍ تلقائيةٍ فرضتها الحياة إلى استثمارٍ استراتيجيٍّ في طاقةٍ وطنيةٍ طالما انتظرت أن تُفتح أمامها أبواب الميادين كافة.
إن أبلغ ما يميز الرؤية في هذا الشأن أنها لم تتعامل مع تمكين المرأة بوصفه شعاراً يُرفع أو بنداً يُستوفى في تقارير الإنجاز، وإنما بوصفه ركناً من أركان التنمية لا تستقيم معادلتها بدونه. فحين تتقدم المرأة لتشارك في صياغة القرار وإدارة المؤسسات وقيادة المشروعات الكبرى، فإنها لا تنال منحةً ولا تشغل مقعداً شاغراً، بل تؤدي دوراً تنمويّاً تقتضيه طبيعة المرحلة وحجم الطموح الوطني. وقد بلغ هذا التمكين مدًى لم يكن متخيّلاً قبل سنوات، إذ لم تعد الميادين المفتوحة أمامها مقصورةً على ما جرت العادة أن يُنسب إليها، بل امتدت إلى أكثر القطاعات صلابةً وتطلّباً، ومنها قطاع التطوير العقاري والإنشاءات الذي ظلّ طويلاً يُعدّ من أشدّ الحقول رجولةً في تصوّر الناس.
وفي هذا السياق بالذات يأتي اختيار الأستاذة غادة عثمان الرميان، الرئيس التنفيذي للخدمات المشتركة في مجموعة روشن العقارية المملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، ضمن الخمسة الأوائل في قائمة القادة الأكثر تأثيراً في مجال التطوير العقاري لعام 2026 التي تصدرها مجلة Construction Week، ليكون شاهداً عمليّاً على أن خطاب التمكين في المملكة قد غادر طور القول إلى طور الفعل والإنجاز. فهذا الاختيار لم يأتِ مجاملةً ولا استكمالاً لتوازنٍ رمزي، وإنما تقديراً لمسيرةٍ مهنيةٍ تمتد لأكثر من اثنين وعشرين عاماً قادت خلالها فرقاً متعددة التخصصات وأدارت مبادرات واستراتيجيات معقّدة، ولدورٍ ريادي أسهم في رسم ملامح التحوّل والنمو داخل مجموعتها وفي القطاع العقاري بأسره.
ولمن يقرأ سيرة الأستاذة الرميان أن يدرك أن هذا الموقع لم يُبلَغ بين عشيةٍ وضحاها، فقد تدرّجت في مواقع قيادية رفيعة قبل أن تصل إليه، من الرئاسة التنفيذية للتسويق والتواصل في روشن، إلى منصب نائبة رئيس أول للعلاقات العامة والاتصالات في بنك الرياض، مروراً بمسؤوليات الاتصال المؤسسي في مجموعة العليان والبنك السعودي الهولندي، وإدارة التسويق في فنادق كمبينسكي. وقد شهدت لها المؤسسات الدولية المتخصصة بهذا الحضور، فنالت جائزة الإنجاز المتميّز من Arabian Business عام 2024، وجائزة التميّز لسيدات الأعمال العربية في فئة الإعلام عام 2022، وتصدّرت قائمة فوربس لأبرز رائدات قطاع التسويق في الشرق الأوسط لعام 2025، فضلاً عن مؤهلٍ علميٍّ رصين يجمع بين شهادةٍ تنفيذية من جامعة هارفارد في التخطيط المستدام والاستراتيجية وأساسٍ أكاديميٍّ في الخدمة الاجتماعية، وكأن في ذلك إشارةً إلى أن قيادتها للأعمال لم تنفصل يوماً عن وعيها بالبعد الإنساني والاجتماعي للتنمية.
الحقيقة أن قيمة هذا النموذج لا تكمن في شخص صاحبته وحدها، على ما لها من مكانةٍ تستحق التنويه، بل فيما يمثّله من دلالة أعمق. فكل امرأةٍ سعودية تبلغ موقعاً قياديّاً في قطاعٍ كان حكراً على الرجال إنما تفتح باباً لأخريات يأتين بعدها، وتثبت أن الكفاءة لا جنس لها وأن القدرة على الإنجاز لا تُقاس إلا بنتائجها. وهنا تتجلّى عبقرية الرؤية في أنها لم تكتفِ بمنح الفرصة، بل صنعت البيئة التي تتيح للموهبة أن تنمو وأن تثبت جدارتها في ميدانٍ تنافسيٍّ مفتوح، فلم يعد وصول المرأة إلى القمة استثناءً يُحتفى به على استحياء، بل صار ظاهرةً متنامية تعكس نضج التجربة الوطنية.
إننا حين نتأمل ما بلغته المرأة السعودية اليوم، من غرفة العمليات إلى مجالس الإدارات، ومن منصّات الإعلام إلى مواقع صناعة المدن وتشييد العمران، ندرك أن المملكة لم تكسب نصف مجتمعها فحسب، بل ضاعفت من رصيدها التنموي وأطلقت طاقةً كانت كامنةً تنتظر من يثق بها ويمنحها مساحتها. وما اختيار الأستاذة غادة الرميان بين الأكثر تأثيراً في عالمٍ شديد التطلّب إلا برهانٌ ناصع على أن رؤية 2030 لم تُدخل المرأة إلى مائدة التنمية ضيفةً مدعوّة، بل أجلستها على رأسها شريكةً أصيلة وركناً من أركان النجاح الوطني، وفاءً لإرثٍ بدأ مع المؤسس واستمر مع كل عهدٍ حتى بلغ في عهدنا الزاهر مداه الأرحب.