فاطمة الجباري
الأب هو النخلة الباسقة التي تضرب جذورها عميقًا في الأرض، فتمنح من حولها الظل والأمان والثمر. يقف شامخًا في وجه العواصف، متحمّلًا قسوة الأيام، بينما يحرص أن تصل إلى أبنائه نسائم الراحة قبل أن تمسهم حرارة التعب. كثيرًا ما يخفي آلامه خلف ابتسامته، ويؤجل أحلامه ليصنع لأبنائه مستقبلًا أجمل، ويمنحهم من عمره وجهده ما لا يستطيع المال أن يقدّره أو يعوّضه.
في حياة كل إنسان مواقف لا تُنسى، يجد فيها أن الأب كان السند حين ضعفت الخطى، والنور حين ضاقت الطرق، والصوت الذي يمنح الطمأنينة وسط ضجيج الحياة، وربما لا يدرك الأبناء حجم عطائه إلا عندما تكبر بهم الأيام، فيكتشفون أن كثيرًا من الأمان الذي عاشوه كان ثمرة قلبٍ كان يسهر من أجلهم بصمت.
ولهذا لا يمكن أن يُختزل الأب في يوم واحد من العام، لأن حضوره أكبر من مناسبة، وعطاؤه أوسع من احتفال، وأثره أبقى من الكلمات، إن الاحتفاء الحقيقي بالأب يكون بالبرّ به، والدعاء له، وردّ الجميل ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، فهو النعمة التي لا يعرف الإنسان قدرها كاملًا إلا حين يتأمل حجم ما بذلته من أجله.
وقد صدق الأديب حين قال:
«الأب ليس شخصًا نحتمي خلفه، بل هو وطنٌ نمشي مطمئنين لأننا نعلم أنه يقف خلفنا».
رحم الله الآباء الذين غابوا عن الدنيا وبقي أثرهم حيًا في القلوب، وحفظ الله الآباء الأحياء، وأدام عليهم الصحة والعافية، فهم أعياد الحياة التي لا تنتهي، والنخيل الذي يظل معطاءً مهما تقدمت به السنوات..