د.عيد بن حجيج الفايدي
كأس العالم اليوم يقف عند مفترق دقيق بين رسالته الأولى بوصفه حدثًا رياضيًا عالميًا يجمع الشباب الرياضي، وبين تحوله التدريجي إلى صناعة ضخمة تتحكم فيها المصالح التجارية والمنطق المالي أكثر مما تتحكم فيها القيم الرياضية الخالصة. وقد بدأت كرة القدم فعلًا رحلتها العالمية داخل الألعاب الأولمبية، حيث كانت إحدى مسابقاتها الأساسية، قبل أن تنفصل عنها مع اتساع مفهوم الاحتراف، بحجة أن الأولمبياد مخصصة للهواة، فوجد الاتحاد الدولي لكرة القدم في هذا الانفصال فرصة لتأسيس كأس العالم عام 1930، بوصفها بطولة مستقلة تهدف إلى نشر اللعبة وتوسيع حضورها بين الدول. كان ذلك الانطلاق بسيطًا ومباشرًا، عبر دعوات خاصة ودون تصفيات، بما يعكس روحًا رياضية أقرب إلى فكرة اللقاء الإنساني منها إلى فكرة السوق والمنافسة الاقتصادية.
لكن هذا المسار لم يبقَ على بساطته الأولى. فمع مرور الزمن، انتقلت البطولة من نظام الدعوات إلى نظام التصفيات في خمسينيات القرن الماضي، وهو تطور بدأ في ظاهره خطوة نحو العدالة وتكافؤ الفرص، لكنه حمل في داخله أعباء ثقيلة على كثير من الدول، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة. فالتصفيات أصبحت مرهقة ماليًا وبدنيًا، وتطلبت سفرًا طويلًا، وبرمجة معقدة، واستعدادات لا تتناسب دائمًا مع قدرات الاتحادات الأضعف، بينما ظلت الدول الكبرى أكثر قدرة على التحكم في المسار بفضل نفوذها ومواردها. وهكذا تحولت البطولة، شيئًا فشيئًا، من فضاء كروي مفتوح إلى حدث بالغ التعقيد، يتطلب استثمارات هائلة، ويستنزف ميزانيات الدول المستضيفة، ويجعل من الاستضافة نفسها مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا لا يخلو من المخاطر في مجالات متعددة.
ومن أبرز ما كشفته التجربة الحديثة أن التكلفة المادية لكأس العالم لم تعد مجرد تفصيل جانبي، بل أصبحت إحدى أكبر مشكلاته العميقة. فالدول المستضيفة تبني ملاعب ومنشآت عملاقة، وتُنفق على البنية التحتية والنقل والإسكان والأمن والإعلام مبالغ هائلة، ثم تكتشف بعد انتهاء البطولة أن جزءًا كبيرًا من هذه المنشآت يتحول إلى عبء صامت، أو إلى ما يشبه الأشباح المهجورة. وقد ظهرت هذه المعضلة في أكثر من بلد، حيث بقيت ملاعب ضخمة شبه خالية أو قليلة الاستخدام، لا تخدم التنمية اليومية ولا تتناسب مع حاجات السكان الفعلية، بل تؤكد أن بعض مشاريع المونديال تُدار بعقلية الحدث لا بعقلية الأثر. وهنا تصبح الاستضافة، بدل أن تكون فرصة تنموية، التزامًا ماليًا طويل المدى، بينما تستفيد المنظومة الدولية من العوائد الأكبر.
ويزداد هذا التناقض وضوحًا عند النظر إلى الجانب المالي في الفيفا نفسها. فالمنظمة تحولت إلى مؤسسة شديدة الثراء، تجني مليارات الدولارات من حقوق البث التلفزيوني والرعايات والإعلانات والصفقات المرتبطة بالبطولة، لكن السؤال الذي يظل حاضرًا بقوة هو: أين تذهب هذه المليارات؟ فالملاحظ أن هذا الفائض المالي لا ينعكس دائمًا على شكل بنية تحتية مستدامة في الدول الفقيرة، ولا على شكل أكاديميات كروية طويلة الأمد، ولا على برامج تنموية واسعة تعيد نشر التنمية المستدامة بعدالة أكبر. والمنح المحدودة التي تقدم للاتحادات الأصغر تبدو متواضعة جدًا مقارنة بحجم الإيرادات، بينما تبقى الشبهات المالية والجدل حول بعض ملفات الاستضافة قائمة، ثم تخفت مع الوقت من دون إصلاح جذري يبدد فكرة أن المال أصبح أقوى من الرسالة الرياضية نفسها.
ومع تضخم هذا البعد الاقتصادي، تغيرت أيضًا طبيعة المشاركة في البطولة. فلم يعد هدف المنتخبات مجرد اللعب من أجل الشرف أو التمثيل الوطني، بل صار الفوز في كأس العالم الهدف الأساس وبوابة إلى الشهرة والعقود والاهتمام الإعلامي والربح التجاري. وبهذا المعنى، انتقلت البطولة من كونها احتفالًا كرويًا إلى كونها ساحة متشابكة بين الرهان الرياضي والمنطق التسويقي، حيث أصبحت جدولة المباريات، وحقوق البث، والتسويق، واختيار الدول المستضيفة، وحتى بعض قواعد التنظيم، خاضعة في جزء كبير منها لحسابات السوق المالي. ومع هذا التحول، تراجع الدور الاجتماعي والثقافي للبطولة بوصفها مناسبة للالتقاء الإنساني، وازدادت الضغوط على اللاعبين والمنتخبات بسبب ازدحام الأجندة وطول الموسم وتأثير ذلك في الصحة البدنية والاستمرارية الفنية.
من هنا يبرز الحل الأكثر عمقًا: إعادة كأس العالم إلى أسرته الأولى، أي إلى مسابقة ألعاب الأولمبياد. فهذه العودة ليست مجرد حنين تاريخي، بل يمكن أن تكون حلًا مناسبًا يعيد التوازن بين الرياضة والمال، ويقلل من تضخم البطولة، ويخفف العبء عن الدول، ويعيد كرة القدم إلى إطار أوسع وأقل تجاريًا. فالأولمبياد، في جوهرها، مساحة تجمع بين الرياضات المختلفة تحت مبدأ المنافسة الشريفة، ويمكن لعودة كرة القدم إليها أن تعيد ضبط المعنى؛ إذ تصبح اللعبة جزءًا من مشروع رياضي عالمي متكامل لا بطولة منفصلة تبتلع الموارد والاهتمام. كما أن هذه العودة قد تحدّ من هيمنة الشركات والرعاة، وتخفف من جنون المكاسب، وتقلل من استغلال الدول المضيفة، وتمنح الدول الصغيرة فرصة أكبر للظهور في بيئة أكثر عدالة وأقل كلفة.
إن إعادة كأس العالم إلى الأولمبياد لا تعني إلغاء قيمة كرة القدم أو تقليص شعبيتها، بل تعني تحريرها من الإفراط التجاري الذي شوّه جزءًا من رسالتها. فبدل أن تبقى البطولة رهينة لمعادلة الاستثمارات الضخمة والعوائد الإعلانية، يمكن دمجها في بنية أولمبية أكثر توازنًا، بحيث تستعيد اللعبة بعدها الإنساني والثقافي، ويستعيد اللاعبون والجماهير معنى المشاركة لا مجرد معنى التسويق. وبهذا تصبح كرة القدم أكثر ترحيبا تجاه الدول الصغيرة، وأكثر انسجامًا مع روح الرياضة نفسها، وأقل خضوعًا لمنطق الاحتكار المالي الذي جعل البطولة اليوم أقرب إلى صناعة عالمية منه إلى مسابقة رياضية خالصة.
ومهما يكن من أمر، فإن المشكلة ليست في كأس العالم بوصفها فكرة، بل في المسار الذي اتخذته عبر العقود. فقد خرجت من منظومة الأولمبياد لتكون فضاءً للمحترفين ونشر اللعبة، لكنها انتهت إلى نظام شديد التعقيد، بالغ الكلفة، ومحمّل باعتبارات تجارية واسعة. ولذا فإن الحل السليم الأعمق لا يكمن في التعديل الجزئي فقط، بل في إعادة بناء الفكرة من جديد داخل إطارها الأول، أي داخل مسابقة ألعاب الأولمبياد، حتى تستعيد كرة القدم توازنها بين المتعة والعدالة، وبين الجماهير والرسالة، وبين الرياضة والتجارة.