د.عبدالله الفايز
لم تعد التحولات الوطنية الكبرى في القرن الحادي والعشرين تُقاس فقط بحجم الموارد أو وفرة الإمكانات، بل بقدرة الدولة على تحويل الرؤية إلى واقع خلال زمن قياسي، مع المحافظة على الاستقرار المؤسسي والاجتماعي. وفي هذا السياق، تبرز تجربة المملكة العربية السعودية منذ إطلاق رؤية 2030 بوصفها واحدة من أبرز التجارب العالمية في إدارة التحول الوطني المتسارع، ليس باعتبارها قصة نجاح تنموية فحسب، وإنما كنموذج علمي يستحق الدراسة والتأصيل. وهذا هو مضمون كتابي الجديد «رؤية المملكة العربية السعودية وبناء نظرية الحسم والضبط المؤسسي المتسارع: إعادة هندسة التحول الرقمي الوطني وتناغم العلاقة والاستدامة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد». حيث تعتبر تجربة المملكة وبعد مرور 10 سنوات، أنها تجربة يجب أن تدرس وأن تكون نموذجا يحتذى به للدول التي تسعى لتطوير وتنمية مجتمعات مزدهرة. من سؤال بحثي محوري: هل تستطيع الدول تنفيذ إصلاحات هيكلية واسعة وسريعة دون أن تفقد استقرارها المؤسسي؟
وفي هذا السياق تبرز تجربة المملكة منذ إطلاق رؤية 2030 عام 2016 بوصفها نموذجًا استثنائيًا للتحول الوطني المتسارع، حيث تمكّنت من تحقيق إنجازات نوعية خلال فترة زمنية قصيرة، مدعومة بسياسات الحسم المؤسسي، وتسريع التنفيذ، وتعزيز الحوكمة، ومكافحة الفساد، ما انعكس في تحقيق نسب مرتفعة من مستهدفات البرامج والمبادرات، وتقدم لافت في مؤشرات التحول الرقمي والتنويع الاقتصادي. لقد افترضت الأدبيات التقليدية في الاقتصاد المؤسسي والتنمية أن بناء المؤسسات عملية تاريخية بطيئة تمتد لعقود، وأن الإصلاح السريع غالبًا ما يكون على حساب الاستقرار. إلا أن التجربة السعودية قدمت نموذجًا مختلفًا؛ إذ أظهرت أن سرعة التحول لا تتعارض بالضرورة مع الاستقرار، إذا توافرت رؤية إستراتيجية واضحة، ومؤسسات قادرة على التنفيذ، وقيادة تمتلك الحسم والانضباط في إدارة التغيير.
ومن هنا يقترح الكتاب إطارًا نظريًا جديدًا أطلقت عليه «نظرية الحسم والضبط المؤسسي المتسارع»، وهي نظرية تفسر كيف تستطيع الدول إعادة تشكيل مؤسساتها واقتصادها ومجتمعها بصورة متزامنة، مع الحفاظ على التوازن والاستقرار، من خلال التكامل بين القيادة الإستراتيجية، والجاهزية المؤسسية، والحوكمة الرقمية. ولا يكتفي الكتاب بالطرح النظري، بل يعتمد على تحليل تجريبي متقدم باستخدام نماذج قياسية حديثة وبيانات مقارنة بين عدد من التجارب الدولية، مع اتخاذ رؤية السعودية 2030 حالة تطبيقية رئيسة. وقد أظهرت النتائج أن العامل الحاسم في نجاح التحول ليس مجرد وجود رؤية طموحة، وإنما قدرة المؤسسات على تحويل تلك الرؤية إلى سياسات قابلة للتنفيذ ونتائج قابلة للقياس. كما يطوّر الكتاب مؤشرين جديدين هما مؤشر وضوح الرؤية الإستراتيجية (RVI) ومؤشر الجاهزية المؤسسية (ISRI)، لقياس العلاقة بين جودة التخطيط وكفاءة التنفيذ، ويبرهن من خلالهما أن المؤسسات تمثل الحلقة المفصلية التي تنتقل عبرها الرؤية من مرحلة التصور إلى مرحلة الإنجاز.
وتكشف الدراسة كذلك أن التحول السعودي لم يكن اقتصاديًا فقط، بل شمل إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع والاقتصاد، عبر تعزيز الحوكمة، وتسريع التحول الرقمي، وتمكين رأس المال البشري، ومكافحة الفساد، ورفع كفاءة الأجهزة الحكومية، في إطار عملية إصلاح متزامنة قلّ أن شهدتها تجارب التنمية الحديثة. إن أهمية هذه التجربة لا تكمن في خصوصيتها الوطنية فحسب، وإنما في قدرتها على إثراء الأدبيات العلمية العالمية. فالكتاب لا يقدم سردًا احتفائيًا بالإنجازات، بل يسعى إلى تحويل تجربة واقعية إلى نموذج تفسيري يمكن اختباره وتطبيقه في دول أخرى تسعى إلى تحقيق تحولات وطنية عميقة في عصر تتسارع فيه التكنولوجيا وتتزايد فيه تعقيدات الإدارة العامة.
وفي عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، تبدو الحاجة ملحة إلى إعادة التفكير في نظريات التنمية والتحول المؤسسي. ومن هنا يأتي هذا العمل بوصفه محاولة علمية للإجابة عن سؤال المستقبل: كيف تستطيع الدول أن تعيد هندسة نفسها بسرعة، دون أن تفقد استقرارها؟ لعل أهم ما تكشفه التجربة السعودية أن الرؤية وحدها لا تكفي، كما أن الموارد وحدها لا تصنع التنمية، وإنما يتحقق النجاح عندما تتكامل الرؤية الواضحة مع المؤسسات القادرة، والحوكمة الفاعلة، والتنفيذ المنضبط. وعند هذه النقطة تحديدًا، يتحول المشروع الوطني من خطة على الورق إلى واقع يصنع المستقبل.
وقد اعتمد الكتاب على منهج المقارنة الدولية لتحليل التجارب التنموية في عدد من الدول التي تمثل نماذج مختلفة للتحول الاقتصادي والمؤسسي، من بينها اليابان وكوريا وسنغافورة وماليزيا والإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى تحليل حالة السعودية في إطار رؤية المملكة 2030، مع الاستفادة من الأدبيات المرتبطة بالاقتصاد المؤسسي ونظريات الدولة التنموية. واتضح أن الدول محل الدراسة حققت إنجازات ونجحت في تحقيق أهدافها ولكن بتفاوت حسب امكانياتها لتحقيق كل هدف. وبعضها نجح أكثر من غيره في أهداف معينة وأقل من غيره في أهداف أخرى. ولكن ما يميز المملكة كحالة دراسية هو كونها حالة متميزة وموفقة بناء على المعطيات والتحديات التي تواجهها. فقد حققت معظم أهدافها وفي فترة قياسية مقارنة بغيرها، بالرغم من الظروف التي كانت تسحبها إلى الخلف وما واجهته من أحداث وصعوبات اقتصادية وجيو سياسية. وقد ركزت الدراسة المقارنة على تحليل محاور التحول المشتركة بين هذه التجارب، وعلى رأسها تنويع الاقتصاد، وبناء اقتصاد معرفي قائم على الابتكار، وتعزيز دور القطاع الخاص، والاستثمار في رأس المال البشري، وتطوير البنية التحتية والتحول الرقمي، وتحسين جودة الحياة، إضافة إلى التوجه نحو الاستدامة البيئية. وأظهرت نتائج المقارنة وجود درجة عالية من التقارب بين توجهات الرؤى الوطنية الحديثة، حيث تشترك معظم هذه التجارب في اعتماد مجموعة متشابهة من السياسات الاقتصادية.
يشير الجدول إلى أن مستويات التحول المؤسسي إلى دول مثل السعودية وسنغافورة والإمارات، ويعود ذلك إلى الجمع بين وضوح الرؤية الإستراتيجية وكفاءة الدولة والقدرة العالية على التنفيذ السريع للسياسات العامة. وتأتي ضمن مجموعة التحول المرتفع دول مثل كوريا الجنوبية والدنمارك، إلا أن المملكة تتميز بمعدل سرعة تحول مرتفع مقارنة بمعظم الدول محل المقارنة، وهو ما يعكس ديناميكية تنفيذية وتسارعًا في تطبيق الإصلاحات ضمن إطار رؤية وطنية شاملة. أما فئة التحول المتوسط فتشمل دولًا مثل ماليزيا واليابان، حيث تسهم بعض التحديات المؤسسية أو الديموغرافية في إبطاء وتيرة التحول رغم وجود سياسات تنموية متقدمة. وفي المقابل تظهر فئة التحول المحدود في دول مثل المكسيك، حيث يؤدي ضعف القدرات المؤسسية إلى تقييد تحقيق التحول الاقتصادي على الرغم من وجود رؤى وخطط تنموية معلنة. ويُستخدم هذا الجدول في البحث بوصفه أداة تحليلية للمقارنة الدولية، ويمكن تقديمه في النص الأكاديمي بالصياغة التالية: من أجل تسهيل المقارنة بين الدول، تقوم هذه الدراسة ببناء مؤشر شبه كمي للتحول المؤسسي المقارن استنادًا إلى إطار RVI-ISRI، حيث يقيم المؤشر وضوح الرؤية الإستراتيجية، وحسم المؤسسات، وسرعة التحول، والقدرة على تجاوز التحديات، ونتائج التنمية، إضافة إلى القيود الهيكلية عبر مجموعة مختارة من نماذج التنمية الوطنية. ويوضح الشكل رسم بياني لتصور التحليل.
كما يبين الشكل التالي مصفوفة لإظهار درجة التقارب أو التباين بين التجارب التنموية عبر مجموعة من المؤشرات الإستراتيجية للمقارنة بين عدد من التجارب الدولية في التحول المؤسسي والتنمية الاقتصادية. وتعتمد المصفوفة على مجموعة من الأبعاد التحليلية التي تعكس طبيعة التحولات الإستراتيجية في الدول محل الدراسة، وتشمل: الرؤية الإستراتيجية، الحسم المؤسسي، سرعة التحول، القدرة على تجاوز التحديات، نتائج التنمية، والتحديات الهيكلية. وتظهر في الصفوف مجموعة من الدول التي خاضت تجارب تحول اقتصادي ومؤسسي مختلفة مثل السعودية والإمارات وسنغافورة وكوريا واليابان وماليزيا والدنمارك والمكسيك، بينما تمثل الأعمدة محاور التحول المؤسسي والتنمية. كما تعكس شدة اللون في الخلايا مستوى الأداء أو التوافق في كل بعد، حيث تشير القيم الأعلى إلى مستويات أعلى من الفاعلية أو التقدم في ذلك المؤشر. يوضح الشكل أن رؤية المملكة 2030 تظهر بدرجات مرتفعة في معظم الأبعاد المرتبطة بالتحول المؤسسي، ولا سيما في وضوح الرؤية الإستراتيجية وسرعة التحول الاقتصادي، إضافة إلى القدرة على تحقيق نتائج تنموية ملموسة خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا. كما يكشف التحليل المقارن عن وجود تقارب بين بعض التجارب التنموية الناجحة مثل سنغافورة وكوريا في عدة مؤشرات، إلا أن الحالة السعودية تتميز باتساع نطاق التحول الذي يشمل في الوقت نفسه الأبعاد الاقتصادية والمؤسسية والاجتماعية. ويتضح أن المعيارين اللذين تتفوق فيهما السعودية غالبًا وحسب الأدبيات الحديثة هما، سرعة تنفيذ السياسات والتحول، وحجم التحول الاقتصادي والمشاريع الإستراتيجية، وهما معياران يستخدمان كثيرًا في دراسات التحول الاقتصادي الحديثة.