هشام عدرة
على مرّ العصور والسنوات، أصبحت القهوة معشوقة العربي ورفيقته، وأصبح يتفنن في طريقة صنعها والأدوات التي تحتاجها، كما برع بطريقة تقديمها للضيف، وكان لابد من أن تدخل في حياته وعاداته وأشعاره وتقاليده، فأصبح للقهوة مجالس خاصة تُعْقَدْ لها، وآداب على المرء أن يتعلمها حتى يلتزم بها في تعامله مع القهوة، وأصبحت آداب القهوة ومجالسها إرثاً شعبياً يتوارثها السلف عن الخلف والابن عن أبيه.
يقوم بتحضير القهوة، عادة، أشخاص لديهم خبرة وتفنن في هذا المجال حيث إن لتحضير القهوة مستلزمات لابد منها وتزداد أعدادها وخاصة تلك المتعلقة بتقديمها في المضافات البدوية والريفية حيث يتباهى أصحاب هذه المضافات بجودة صناعة هذه المستلزمات والتي تكون عادة من النحاس كالدلال والمنقل وغيرها، وهي ذات تسميات عربية فصيحة كما يعددها المتخصصون بتحضير القهوة العربية ومها:(الظبية) وتكون عبارة عن كيس مصنوع من جلد الغزال تحفظ فيها حبات القهوة النيئة و(المحماسة) عبارة عن صحن سميك من الحديد له ساعد طويل ومعه يد على شكل ملعقة تقلب بها حبات القهوة عند التحميس، وهناك (المبردة) وعاء من الخشب تصب به القهوة لتبريدها و(الجرن) عبارة عن كتلة مجوفة من خشب السنديان أو البلوط وله يد من الخشب يدق به بها البن، وهناك (الدلة) وهي وعاء لحفظ الخمير إلى اليوم الثاني، ثم غلي هذا الخمير، وهناك أبريق طبخ القهوة النحاسي، وإبريق التصفية والمصب والفناجين الزجاجية المزخرفة.
تمر القهوة عادة بعدة مراحل في تحضيرها وإعدادها وهي حمس القهوة: هنا يتم وضع حبات القهوة النيئة في (المحماسة) ثم توضع المحماسة على نار هادئة ويجب أن تُقَلَّب حبّ القهوة جيداً أو بالتساوي كي لا تكون نيئة أو محروقة ففي الحالتين إفساداً لطعم القهوة، وعلامة نضوج القهوة هي لحظة بدئها بالتعرق، عندها يجب رفعها عن النار وسكبها في المبردة ولا يجوز أن تُلمس بالأيدي في أثناء الحمس أو الدق، كما لا يجوز النفخ على القهوة عند التفوير حفاظاً على نظافتها وهناك عبارات مستعملة بخصوص هذه المسألة، تحولت لأمثال شعبية ومنها:( القهوة من الحديد إلى الحديد ما تلامس كف العبيد) وعن حمس القهوة تغنى شعراء كثر ومنهم من قال في ذلك:
احمس ثلاثي يا نديمي على ساق
ريمة على جمر الغضا يفضح السوق
احرص عليها من نياته والحراق
بالك تكون بعاجل العمس مرهوق
بعد ذلك هناك دق القهوة، فبعد الانتهاء من حمسها وتبريدها توضع القهوة في الجرن ويبدأ الشخص المُحضّر لها بسحق القهوة، ولدقة المهباج أسلوب خاص ومميز، حيث يكون لكل منهم لحن إيقاعي موسيقي تطرب له الآذان. تأتي بعد ذلك مرحلة التشريبة وهي استعمال مغلي القهوة المخمرة في ابريق طبخ القهوة ثم إضافة مسحوق القهوة إليه وتفويرها، ومن المعروف أن القهوة العربية المرّة حساسة جداً فهي تنقل ريح أي جسم غريب يمسّها، لذا يجب عدم التهاون في أي مرحلة من مراحل إعدادها، أما غلي القهوة وهو طبخها في ابريق الطبخ فيفضل أن يكون مسحوق القهوة خشناً كالبرغل الناعم حتى لا يتشكل راسب في الغلاية، وقبل الانتهاء من غلي القهوة يضاف إليها مسحوق الهيل، فهو أفضل المطيبات والمعطرات للقهوة(يتغنى هنا أحد الشعراء بذلك قائلا: يا ماحلا الفنجان مع سمية الهال وبربعه ما بها نفوس ثقيلة)، وبعد الانتهاء من الغلي، ترفع القهوة عن النار وتترك ثلاث أو أربع دقائق حتى تصفو، بعدها تسكب في ابريق التصفية ثم في المصب وتدار على الشاربين.
ولعلّ من أبرز عادات وتقاليد تقديم القهوة العربية المتوارثة في المضافات العربية ـ كما يذكرها الباحث ابراهيم فاضل -هي: يجلس إليها كبير القوم أو وكيله ـ تُدار القهوة باتجاه يمين الساقي (ولكن إذا خصّ ثم نصّ أي خصص فنجاناً لأحد الجلوس بدون ترتيب الدور اليميني دلّ ذلك على سيادة هذا الرجل وارتفاعه عن الحضور)
- لصب القهوة يقف صاحبها والدلّة في يسراه والفنجان في يمناه ـ على صاحب القهوة أن يشرب الفنجان الأول ـ يقف الساقي بمحاذاة الشارب ثم يصب له فنجانه، ويكون الصب على مرأى منه بحركة تبدأ من حرف الفنجان، ثم تعلو مسافة مناسبة، ثم تعود شفة الدلة لتقرع ثغر الفنجان ـ لكمية القهوة حدود يجب ألا تتعداها ـ يظل الساقي يصب القهوة للشارب فنجاناً تلو الآخر إلى أن يهز الشارب الفنجان، ويجب ألا تتعدى الحدود المعروفة وهي من اثنين إلى ثلاثة فناجين ـ لا يجوز غسل الفنجان بعد شرب الضيف مباشرة ـ لا يجوز لصاحب القهوة أن يصب القهوة ويرسلها مع غيره ـ لا يجوز إبداء الرأي في القهوة سلباً أو إيجاباً، ذماً أو مدحاً ـ وغير ذلك من التقاليد والأعراف المتوارثة.
وللكاتب السعودي الأديب الدكتور (سعيد السريحي) صاحب كتاب(غواية الاسم ـ سيرة القهوة وخطاب التحريم) رأي مهم في القهوة كتراث ثقافي وهو(القهوة هي الجسر الذي يربط بين الأمم، في القهوة سر، يمتد تاريخها بين غايات عدة، بعيداً عن الجانب الوثائقي، وإنما تتعمق بزوايا الروايات)
هناك أيضاً عادات وتقاليد متوارثة لتقديم القهوة اتشرت في بعض مجتمعات المدن العربية، والشرق أوسطية، وأهمها، تقديم كأس ماء مع فنجان القهوة وهو تقليد مازال قائماً، ويشعر الضيف بعدم الراحة وبأنه غير مرغوب فيه إذا لم يقدم له مضيفه الماء مع القهوة، ولكن في بعض هذه المجتمعات، وظّف كأس الماء لصالح مناسبة الخطوبة، وهو عرف درجت عليه الكثير من الأسر، إذ عندما يأتي الشاب مع أهله لرؤية فتاة مؤهلة للخطوبة، وكانت قد زكتها الخطّابة أو صديقة لأم الشاب، ففي منزل الفتاة ينتظر الشاب مجيء الفتاة مع القهوة للضيافة، ففي حال أعجبته الفتاة فإنه يقوم بشرب كأس الماء قبل البدء باحتساء القهوة وإذا لم تعجبه فإنه يبدأ باحتساء القهوة مباشرة، وبالتالي يذهب مع أهله لينتهي موضوع التقدم للخطوبة هنا، أما إذا أعجبته الفتاة وشرب الماء قبل القهوة فيبدأ بعد ذلك الحديث عن الأمور الأخرى التي تخص الشاب والفتاة، مع تقديم الفاكهة الموسمية والحلويات.
كذلك هناك أمثال شعبية تتناقلها الألسن في بعض المجتمعات العربية تتعلق بالقهوة ومنها من باب الطرافة المثل الشعبي الذي يقول:(الضيف المنظوم بيشرب القهوة وبيقوم) و(الضيف الأكابر بيشرب القهوة وبيغادر)؟!..
من أظرف ما شاهدته في سوق البزورية القديم في مدينة دمشق القديمة، وهذا السوق متخصص ببيع الأعشاب الطبية والبهارات والبن والشاي والمكسرات، أحد الباعة معلناً على واجهة دكانه نوعاً من القهوة من ابتكاره أطلق عليها اسم(قهوة ليلة الخميس خلطة قوية ومنشطة) وسجل براءة تحضيرها باسمه، وهذه القهوة يقدّمها كبديل طبيعي للفياغرا، ويخبرني هذا البائع أن لقهوته، زبائن كثر وخاصة من كبار السن، وأنه أضاف أعشاباً طبيعية للبن الكولومبي والبرازيلي واستنبط هذه الوصفة السحرية؟.