محمد بن عبدالله آل شملان
قبل سنوات، كان يُنظر إلى أمن الخليج العربي بوصفه ملفاً يرتبط بتوازنات القوة والتحالفات العسكرية، غير أن التطورات الأخيرة، وفي مقدمتها المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، أكدت أن المنطقة تجاوزت هذه المرحلة، وأن استقرارها بات يتطلب مقاربة أكثر شمولاً، تُوازن بين عناصر الردع، وضرورات الحوار، وتؤسس لبيئة إقليمية قادرة على احتواء الأزمات قبل انفجارها.
فالوقائع أثبتت أن أي مواجهة عسكرية في الخليج لا تبقى محصورة بين أطرافها، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والممرات البحرية، وسلاسل الإمداد الدولية. ومن هنا، لم يعد أمن الخليج قضية تخص دوله وحدها، وإنما أصبح ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد الدولي، وهو ما يفرض البحث عن حلول تتجاوز إدارة الأزمات إلى صناعة الاستقرار.
وفي هذا الإطار، تبرز المملكة العربية السعودية بوصفها الدولة الأكثر قدرة على قيادة مسار جديد يهدف إلى بناء منظومة أمنية إقليمية أكثر توازناً. فاستضافة حوار خليجي - إيراني لا تمثل مجرد تحرك دبلوماسي عابر، وإنما تعكس رؤية استراتيجية تقوم على نقل العلاقة بين دول المنطقة من مرحلة المواجهة المستمرة إلى مرحلة إدارة الخلافات عبر قنوات سياسية ومؤسساتية تحفظ الأمن الجماعي، دون المساس بحقوق الدول أو سيادتها.
إن المقاربة السعودية تنطلق من قناعة راسخة بأن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالتصعيد الدائم، كما لا يمكن أن يقوم على الاعتماد المطلق على القوى الدولية، مهما بلغت قدراتها. فالتجارب المتراكمة أثبتت أن الاستقرار المستدام لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى أولاً بإرادة إقليمية تتبنى الحوار، وتحترم القانون الدولي، وتؤسس لعلاقات قائمة على المصالح المشتركة والمسؤولية المتبادلة.
من هذا المنطلق، فإن أي حوار مع إيران لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره تغييراً في الثوابت الخليجية، بل بوصفه وسيلة لإدارة الخلافات بصورة تمنع تحولها إلى صراعات مفتوحة. فالخلافات السياسية والأمنية القائمة، سواء المتعلقة بالتدخلات الإقليمية، أو البرامج الصاروخية، أو احترام سيادة الدول، لا يمكن تجاهلها، لكنها في الوقت نفسه لا تعني استحالة الحوار أو إغلاق أبوابه.
السياسة الناجحة لا تقوم على انتظار توافق كامل بين الأطراف، وإنما على إيجاد آليات تحد من التصعيد، وتفتح قنوات اتصال دائمة، وتقلل من احتمالات سوء التقدير الذي قد يقود إلى مواجهات لا يرغب بها أحد. ولهذا، فإن نجاح أي تقارب مستقبلي يتطلب التزاماً واضحاً بمبادئ احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، مع إنشاء أطر مؤسسية للحوار الأمني والسياسي تعزز الثقة وتمنع تكرار الأزمات.
كما تعكس الرؤية السعودية تحولاً في مفهوم القيادة الإقليمية، فلم يعد النفوذ يقاس فقط بحجم القوة العسكرية أو عدد التحالفات، بل أصبح يقاس أيضاً بالقدرة على إنتاج بيئة مستقرة تسمح للدول بتوجيه مواردها نحو التنمية، وتنويع اقتصاداتها، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التعاون الإقليمي. فالتنمية والازدهار لا يمكن أن يزدهرا في ظل أجواء التوتر المستمر وعدم اليقين.
وفي ظل التحولات التي يشهدها النظام الدولي، واستمرار الولايات المتحدة شريكاً أمنياً مهماً لدول الخليج، إلى جانب اتساع الشراكات الاقتصادية مع القوى الدولية الكبرى، تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى بناء إطار أمني إقليمي متوازن، ينسجم مع هذه المتغيرات، ويمنح دول المنطقة دوراً أكبر في إدارة شؤونها بعيداً عن الارتهان الكامل لصراعات القوى الكبرى.
من هنا، فإن المبادرات التي تقودها الرياض لا تستهدف إعادة تشكيل التحالفات أو استبدالها، وإنما تهدف إلى ترسيخ معادلة جديدة تجمع بين الردع المسؤول، والحوار البنّاء، واحترام السيادة، والتعاون في المجالات ذات المصالح المشتركة، بما يضمن استقرار الخليج ويحافظ على مصالح جميع دوله.
ختاماً، يبدو واضحاً أن مستقبل الخليج لن يُبنى بالقوة العسكرية وحدها، ولن تؤمنه التحالفات الخارجية بمفردها، وإنما سيعتمد قبل كل شيء على إرادة خليجية موحدة تمتلك رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تجعل من الأمن مسؤولية جماعية، ومن الحوار وسيلة لتخفيف التوتر، ومن احترام سيادة الدول أساساً لأي تفاهمات مستقبلية. وعندها فقط، يمكن أن تتحول المصالحة ـ متى ما قامت على أسس واضحة وثابتة ـ إلى ركيزة لاستقرار دائم ينعكس خيره على شعوب المنطقة والعالم بأسره.