د. ياسين علي محمد عزي
لا تُقاس قوة الأوطان بما تغلقه من أبواب، ولا بما تفتحه على عجل، بل بقدرتها على إدارة علاقتها بالعالم من موقع الثقة لا القلق، ومن منطق السيادة لا الارتهان. فالأرض في وجدان الأمم ليست مساحة مادية فحسب، وإنما هي معنى متراكم من الذاكرة والهوية والسيادة والعلاقة العميقة بين الإنسان والمكان. ولهذا فإن القرارات الكبرى التي تتصل بتنظيم العلاقة بين الوطن والعالم لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها إجراءات تنظيمية مجردة، بل بوصفها تعبيراً عن فلسفة دولة تعرف كيف تحمي خصوصيتها، وفي الوقت نفسه تجعل انفتاحها جزءاً من قوتها وحضورها التنموي.
من هذا الأفق يمكن قراءة القرار الذي أقرّه مجلس الوزراء يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من يونيو 2026، بالموافقة على اللائحة التنفيذية لنظام تملّك غير السعوديين للعقار، واعتماد النطاقات الجغرافية التي يجوز لهم التملك فيها، بما يشمل الرياض وجدة ومكة المكرمة والمدينة المنورة. غير أن القيمة الحقيقية لهذا القرار لا تكمن في صورته الإجرائية المباشرة، بل في المعنى الأعمق الذي يحمله؛ إذ يعكس نموذجاً لدولة لا تدير التنمية بمنطق السوق وحده، بل تجعل التنظيم شرطاً للثقة، والوضوح أساساً للجاذبية، والسيادة إطاراً لكل حركة اقتصادية كبرى.
إن عبقرية الدولة الحديثة لا تظهر في المنع المطلق، كما لا تظهر في السماح غير المدروس، وإنما في قدرتها على بناء المسافة المتوازنة بينهما؛ حيث يكون القرار منفتحاً بقدر ما يخدم المصلحة الوطنية، ويكون التنظيم تعبيراً عن قوة الدولة لا قيداً على حركتها. وهنا تتجلى قيمة القرار السعودي؛ لأنه لا يتعامل مع تملّك غير السعوديين للعقار بوصفه مسألة مالية منفصلة عن السياق الوطني، بل بوصفه جزءاً من هندسة إستراتيجية أوسع توازنا بين حماية المكان وتعظيم قيمته، وبين صون الخصوصية الوطنية واستقطاب الكفاءة والاستثمار النوعي.
ولذلك فإن اعتماد نطاقات جغرافية محددة ليس تفصيلاً تنظيمياً عابراً، بل هو جوهر الفلسفة التي يقوم عليها القرار كله. فالدولة حين تحدد المجال، وتضع الضوابط، وتؤسس إطاراً إشرافياً واضحاً لمتابعة التنفيذ، فإنها لا تتراجع عن سيادتها، بل تمارسها في صورتها الأوضح؛ لأن السيادة لا تعني فقط أن تضع حدود المنع، بل أن تمتلك القدرة على تنظيم ما تسمح به وفق شروطها ومصالحها وما يخدم مشروعها الوطني طويل المدى.
ومن المهم هنا أن نفرق بين تملّك العقار والانتماء الحقيقي للمكان. فالملكية القانونية لا تمنح صاحبها بالضرورة شعوراً بالانتماء، كما أن غيابها لا ينزع عن الإنسان علاقته الصادقة بالمكان الذي يعيش فيه. كم من مقيم عاش سنوات طويلة وأسهم في البناء والعمل وأصبح جزءاً من الحراك الاقتصادي والاجتماعي، وكم من مالك لعقار بقيت علاقته بالمكان علاقة استثمار مجردة لا تتجاوز حدود الملكية. فالانتماء لا تصنعه الأوراق وحدها، بل يصنعه الزمن، والعمل، والمشاركة، والإحساس بأن المكان لم يعد محطة عابرة بل فضاءً مستقراً للحياة والإنتاج. ومن هنا تبدو هذه الخطوة أكثر عمقاً من كونها تنظيماً للسوق العقارية؛ إنها رسالة واضحة إلى أصحاب الكفاءة ورؤوس الأموال الجادة بأن المملكة لا تنظر إليهم بوصفهم عابرين في اقتصادها، بل شركاء محتملين في مشروعها التنموي الكبير، ضمن ضوابط واضحة تحفظ حق الوطن أولاً. فالعقل المبدع لا يستقر في بيئة يكتنفها الغموض، والمستثمر الجاد لا يبني قراراته الكبرى إلا حين يثق باستقرار البيئة النظامية التي يعمل داخلها. وحين تمنح الدولة إطاراً قانونياً منظماً للتملك، فإنها لا تمنح فرصة استثمارية فحسب، بل تؤسس لبيئة أكثر استقراراً وقدرة على استقطاب من يضيف قيمة حقيقية لمسار التنمية.
وهذا المعنى ينسجم تماماً مع روح رؤية السعودية 2030، التي لم تنظر إلى التنمية بوصفها توسعاً اقتصادياً مجرداً، بل بوصفها مشروعاً وطنياً شاملاً يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والإنسان والمستقبل. فمنذ انطلاق هذا المشروع الوطني الكبير بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، وبرؤية سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله، كانت المملكة تؤكد باستمرار أن التحديث لا يعني التخلي عن الخصوصية، وأن الانفتاح الاقتصادي لا يكون على حساب الهوية الوطنية، بل ينطلق من الثقة بها وحسن إدارة علاقتها بالعالم.
إن الدولة التي تطور أنظمتها وهي متمسكة بمرجعيتها وهويتها لا تتحرك بدافع الحاجة، بل بدافع الثقة. وهذا هو الفارق الجوهري بين الدول التي تنفتح لأنها مضطرة، والدول التي تعيد تنظيم علاقتها بالعالم لأنها تعرف قيمة ما تملك، وتدرك أن المكانة الدولية لا تُبنى فقط بحجم الاقتصاد، بل بقدرة الدولة على صياغة سياساتها وفق مشروعها الوطني المستقل. والمملكة اليوم لا تقدم نفسها للعالم بوصفها سوقاً واسعة فحسب، بل بوصفها نموذجاً لدولة استطاعت أن تجمع بين الأصالة والتحديث، وبين الجاذبية الاقتصادية والاستقرار المؤسسي والخصوصية الثقافية.
وفي زمن لم تعد فيه المنافسة بين الدول قائمة على الموارد وحدها، بل على القدرة على استقطاب العقول والكفاءات والاستثمارات النوعية، يصبح وضوح الأنظمة جزءاً من عناصر القوة الوطنية. فالقانون الواضح يصنع الثقة، والثقة تجذب الاستثمار، والاستثمار المنتج يرفع جودة الحياة ويضيف إلى الاقتصاد الوطني قيمة تتجاوز الحسابات المالية المباشرة. ومن هنا فإن تنظيم تملّك غير السعوديين للعقار لا يمثل مجرد استجابة لحاجة اقتصادية، بل خطوة ضمن رؤية أوسع لبناء اقتصاد متنوع، ومجتمع حيوي، ووطن قادر على إدارة انفتاحه وفق مصالحه العليا.
ولعل أعمق ما في هذا القرار أنه يعكس ثقة الدولة بنفسها. فالأوطان الراسخة لا تخشى الحركة الدولية، ولا ترى في كل شراكة تنازلاً، لأنها تدرك أن الهوية لا تُصان بالعزلة، بل بحسن التنظيم، وقوة المؤسسات، ووضوح الرؤية الإستراتيجية. والدولة الواثقة لا تجعل علاقتها بالعالم قائمة على رد الفعل، بل على قدرتها على تحديد شروطها، وصياغة أولوياتها، وإدارة انفتاحها بما يحقق مصالحها الوطنية.
وفي النهاية، لا تكمن قيمة هذه الخطوة في أنها سمحت أو قيدت، بل في أنها نظمت. والتنظيم هنا هو الكلمة الأعمق؛ لأنه يحوّل الانفتاح من فكرة عامة إلى سياسة واعية، ويجعل السوق جزءاً من المشروع الوطني لا قوة منفصلة عنه.
فالمملكة اليوم لا تقدم للعالم أرضاً للبيع، بل تقدم نموذجاً لدولة تعرف أن الأرض ليست عقاراً فحسب، بل سيادة ومعنى وامتداد مشروع وطني كبير. والوطن الذي يثق بنفسه لا يخشى الانفتاح، لأنه يعرف كيف يستقبل ما ينفعه، وكيف يضبط ما يحتاج إلى ضبط، وكيف يجعل التنمية امتداداً لقوته لا مدخلاً للتنازل عن ثوابته.
وتلك، في معناها الأعمق، إحدى أكثر الصور وضوحاً لدولة تعرف جيداً كيف توازن بين السيادة والتنمية، وبين الهوية الوطنية ومتطلبات المستقبل.
** **
- أكاديمي سعودي وكاتب