مرفت بخاري
ليس أشقَّ على الإنسان الطيب من أن يخوض معركةً مع نفسه قبل أن يخوضها مع الآخرين، فهو لا يحارب خصمه أولًا، بل يحارب غضبه، ويكبح اندفاعه، ويؤجل ردَّه، ويُفتش في أعماقه عن الطريق الذي يرضي الله قبل أن يرضي كبرياءه.
الطيبون لا يعانون لأنهم ضعفاء، بل لأن إنسانيتهم أكبر من أن تسمح لهم بأن يصبحوا نسخةً ممن آذاهم، يقفون طويلًا عند كل موقف، يسألون أنفسهم هل أردُّ بالمثل؟ هل أسكت؟ هل أصفح؟ وهل سيكون موقفي هذا عدلًا أم مجرد انتقامٍ تنكر في ثوب العدالة؟
تشتعل في داخلهم حربٌ لا يسمع ضجيجها أحد، حربٌ بين القلب الذي تأذى، والنفس التي تريد الانتصار، والإيمان الذي يدعو إلى التروي والاحتساب، لذلك قد يظن الناس أن صمتهم عجز، بينما هو في الحقيقة أشقُّ أنواع القوة.
وحين تضيق بهم السبل، ولا يجدون في الأرض من ينصفهم، يرفعون الأمر إلى السماء. هناك، حيث لا تضيع المظالم، ولا تختلط الحقائق، ولا يستطيع أحد أن يغيّر ميزان العدل، فيلجؤون إلى الله، لا لأنهم فقدوا القدرة على المواجهة، بل لأنهم أيقنوا أن حكم الله أعدل من كل حكم، وأن إنصافه أكمل من كل إنصاف.
إن اللجوء إلى الله ليس هروبًا من الواقع، بل هو أعظم أسلحة المؤمن، فهو يطمئن القلب بأن الحقوق لا تضيع، وأن الظالم مهما طال به الزمن فلن يفلت من عدلٍ لا يغفل، وأن المظلوم وإن تأخر نصره، فإن الله يدخر له من الإنصاف ما يليق بحكمته ورحمته.
لهذا يبقى الطيبون متماسكين، رغم ما يعتصر أرواحهم من ألم، يعرفون أن الثبات ليس في كتمان الدموع، وإنما في أن يبقى القلب نقيًا، وألا يسمح للأذى أن يصنع منه إنسانًا يشبه من آذاه.
وما أجمل أن يخرج الإنسان من كل معركةٍ خاضها بقلبٍ لا يزال أبيض، وبيدٍ لم تتلطخ بالظلم، وبثقةٍ راسخة أن عدل الله إذا حضر، سكتت كل موازين الأرض.
وإن من أعظم الحقائق التي ينبغي للإنسان أن يستقر عليها قلبه أن مكر الله عظيم، وأنه لا يجوز لأحد أن يأمن مكر الله أو يطمئن إلى حلمه حتى يظن أن العقوبة بعيدة، فقد قال الله تعالى: {أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللّهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، وفي هذه الآية تحذيرٌ شديد من الغفلة، وتنبيهٌ إلى أن الإمهال ليس إهمالًا، وأن التأخير في العقوبة ليس عجزًا، بل هو من تمام الحكمة والعدل.
فالقرآن العظيم قدّم لنا مواقف كثيرة تثبت أن الله يمهل ولا يهمل، وأنه يفتح للظالم بابًا بعد باب، ويمنحه فرصةً بعد فرصة، حتى إذا استمر في طغيانه وأعرض عن الحق، جاءه الأخذ من حيث لا يحتسب. ألم ير الناس ما كان من قوم نوح حين كذبوا واستكبروا، ثم جاءهم الطوفان؟ وألم يعتبروا بعادٍ وثمود حين أخذتهم الصيحة والريح والرجفة؟ وألم يتأملوا فرعون الذي علا في الأرض واستضعف الناس، ثم كان غرقه عبرةً لكل متكبر؟ كل هذه المشاهد القرآنية تقول بوضوح إن الله لا يعجل بعجلة الظالمين، لكنه إذا أخذهم لم يفلتهم.
إن مكر الله ليس ظلمًا، بل هو عدلٌ محكم، يرد كيد الكائدين إلى نحورهم، ويجعل من ظن أنه في مأمنٍ مثالًا على سقوط الغرور، فالإنسان قد يظن أن تأخر العقوبة دليل رضا، وقد يظن أن استمرار النعمة علامة أمان، بينما الحقيقة أن الله قد يفتح للعبد من أبواب الدنيا ما يظنه كرامة، وهو في باطنه استدراجٌ واختبار، ولذلك كان الخوف من مكر الله من علامات الإيمان، لأن المؤمن يعلم أن النجاة ليست في طول الأمل، بل في صدق التوبة وحسن العمل. ومن تأمل القرآن وجد أن الله سبحانه يترك للظالم حبلًا طويلًا، لا لأنه غافل، ولكنه حليم، يمهله لعلّه يرجع، ويؤخره لعلّه يتوب، فإن أصرّ على عناده، جاءه الأخذ الذي لا مرد له. وهنا يظهر معنى قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ}، فليس شيءٌ يفلت من علمه، ولا أحد يخرج عن قبضته، ولا ظلم يضيع في ميزان عدله.
لذلك ينبغي للعبد أن يخاف مكر الله، وألا يغترّ بإمهاله، وأن يوقن أن كل لحظة تأخير قد تكون فرصةً للرجوع، لا ضمانًا للنجاة، فالله سبحانه يمهل ولا يهمل، ويستدرج من شاء بحكمته، ويأخذ من شاء بعدله، وما على الإنسان إلا أن يراجع نفسه قبل أن يأتي يومٌ لا ينفع فيه الندم، ولا تنفع فيه الأعذار، ولا يبقى إلا حكم الله الذي لا يظلم مثقال ذرة.
وليس هذا وعدًا نظريًا، بل سنةٌ ربانية شهد لها التاريخ قبل أن تشهد لها الأيام، فهذا نبي الله يوسف عليه السلام، أُلقي في غيابة الجب ظلمًا، وبِيع بثمنٍ بخس، وسُجن بغير جرم، ثم جاء نصر الله حتى صار عزيز مصر، وجعل ممن ظلموه يقفون بين يديه محتاجين إليه، وهذا موسى عليه السلام، خرج خائفًا يترقب بطش فرعون، ثم شاء الله أن يكون هلاك الطاغية على يد البحر الذي ظن أنه سبيل نجاته، ليبقى فرعون عبرةً، ويبقى موسى إمامًا للمؤمنين، ويبقى يوم نجاته يومًا مقدساً نصومه شكر لله لنجني أجر صيام عاشوراء والغفرة التي نطمع لها بصيامه، وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أُوذي، وحُوصر، وأُخرج من أحب البلاد إليه، ثم عاد إليها فاتحًا، وقد أظهر الله دينه، وأتم نوره، وخلّد ذكره إلى قيام الساعة.
هكذا هي سنة الله التي لا تتبدل، قد يتأخر النصر، لكنه لا يضيع، وقد يطول ليل المظلوم، لكنه لا يدوم، فالطيبون حين يصبرون، ويكظمون غيظهم، ويجعلون الله وكيلهم، لا يخسرون معركتهم، بل يسلّمونها إلى أحكم الحاكمين، فيأتي حكمه في الوقت الذي يريده، بالصورة التي تليق بعدله، وبالإنصاف الذي تعجز عنه موازين البشر. وحينها يدرك الجميع أن الله إذا نصر عبدًا، لم يكن نصره عابرًا، بل نصرًا يخلّده التاريخ، وتبقى آثاره شاهدًا على أن الحق وإن تأخر، فإنه لا يموت.
وأن جبر الله وعوضه مهما تأخرا، فهما آتيان لا محالة.
كونوا بخير..