خالد بن عبدالرحمن الذييب
نجاح التخطيط يتم من خلال احترام التشريعات، واحترام التشريعات يبدأ من احترام فكرة «القطع الحضري»؛ وهي المنطقة التي يتم فيها تبديل التشريع العمراني من نظام إلى آخر، وينتهي عندها تشريع ومنها يبدأ تشريع جديد. في «القطع الحضري» تنتفي فكرة «المساواة بالمثل»؛ فوجود مُلكِك بجانب مُلكٍ يخضع لتشريع آخر لا يعطيك الأحقية في نيل النظام نفسه.
أحد أبرز إشكاليات تدهور المدن هو عدم احترام منطقة «القطع الحضري» أو غيابها أساساً. فالشارع تجاري إذا كان امتداده تجارياً، يستمر تجارياً إلى حدود لا حدود لها! فكل قطعة تجارية على الشارع تعطي لما بعدها الحجة في أن تصبح تجارية، لتتحول المسألة إلى ما يشبه لعبة «الدومينو»، بمجرد أن تسقط قطعة واحدة، تتهاوى خلفها بقية القطع إلى ما لا نهاية.
تعاني أغلب المدن في العالم النامي من شبكة شوارع تجارية لا بداية لها ولا نهاية؛ فعندما تطالع مخططاً لإحدى هذه المدن، تشعر وكأنك أمام شبكة من كريات الدم الحمراء المتراصة في بقعة واحدة، تبدو كأفاعٍ سامة تنفث سمومها في الفراغ.
إن فكرة «القطع الحضري» تؤكد أهمية وجود منطقة أو حدٍّ، سواء كان جغرافياً أو من صنع الإنسان، ينتهي عنده التشريع. فشارع بعرض 60 متراً يقع بين منطقتين؛ شرقه سكني/تجاري بأبراج مرتفعة، وغربه سكني بكثافات منخفضة، يجب أن يشكل في ذاته «قطعاً حضرياً» صارماً يحمي غرب الشارع من تمدد الأبراج. لا معنى لفكرة المساواة هنا؛ فكون الشارع يسمح بأبراج في جهة، لا يعني إطلاقاً أن يُعمم الشيء نفسه على الجهة المقابلة.
أخيراً...
تحدثت في مقال سابق عن مثال ملبورن، هناك وسط مدينة (CBD) بارتفاعات شاهقة ونظام بناء مكثف، يتغير وينحسر فجأة بمجرد الخروج من حدود هذا النطاق، فداخل الـ CBD ليس كخارجه.
ما بعد أخيراً...
تخطيط المدينة لا يتم وفق «رغبات بعض الناس»، ولكن وفق «احتياجات أغلب الناس».