رمضان جريدي العنزي
منذ فجر التاريخ والإنسان يسعى إلى أن يترك أثرًا يبقى بعد رحيله، وأن يكتب اسمه في سجل الخالدين، فحب الذكر الحسن غريزة فطرية، والرغبة في البقاء المعنوي نزعة تسكن النفوس، غير أن كثيرًا من الناس يخطئون الطريق إلى المجد، فيظنون أن الشهرة هي الخلود، وأن كثرة الأضواء دليل العظمة، وأن التصفيق العابر يصنع تاريخًا باقياً، والحقيقة أن التاريخ كان وما زال أكثر عدلًا وإنصافًا من أن يمنح صفحاته لمن عاشوا للمظاهر، أو أفنوا أعمارهم في استعراض النعم والتفاخر بما يملكون، إن التاريخ لا يفتح أبوابه لمن ازدحمت موائدهم بألوان الطعام، ولا لمن ملؤوا الشاشات بصور الولائم والمناسبات، ولا لمن جعلوا حياتهم معرضًا دائمًا للتباهي والتفاخر، فهذه كلها أمور تزول بزوال وقتها، وتنتهي بانتهاء لحظتها، ولا يبقى منها إلا صور باهتة وذكريات عابرة لا تقدم للأوطان نفعًا، ولا تضيف إلى المجتمعات قيمة، ولا تترك للأجيال درسًا أو أثرًا. لقد تعاقبت على الأرض أمم وحضارات، ومرّ عبر التاريخ أثرياء وأصحاب جاه وسلطان، لكن التاريخ لم يخلّدهم لأموالهم ولا لموائدهم ولا لمظاهرهم، بل خلدهم بما قدموه من إنجازات وأعمال، فالناس لا يذكرون الناس لأنهم كانوا أكثر الناس إنفاقًا على الولائم، وإنما يذكرونهم لأنهم بنوا حضارة، أو نشروا علمًا، أو أقاموا عدلًا، أو دفعوا ظلمًا، أو صنعوا أثرًا بقي نافعًا بعد رحيلهم، وما أكثر الذين ظنوا أن الأضواء تصنع المجد، فركضوا خلف الشهرة الفارغة، وجعلوا همّهم أن تتجه إليهم الأنظار، وأن تتردد أسماؤهم في المجالس، لكن الأيام كانت كفيلة بأن تكشف الحقيقة؛ فكل شهرة لا تستند إلى قيمة حقيقية سرعان ما تذبل، وكل ضجيج لا يقوم على إنجاز ينتهي كما بدأ، فالناس قد تنشغل بالمظاهر لحظة، لكنها لا تمنح احترامها الدائم إلا لأصحاب الأعمال والمواقف.
إن المجد الحقيقي لا يُبنى على ما نأكل، بل على ما نقدم، ولا يُقاس بما نعرضه أمام الناس، بل بما نتركه خلفنا من أثر، فكم من رجل بسيط عاش بعيدًا عن الأضواء، لكنه حمل همّ وطنه ومجتمعه، فساهم في تعليم جاهل، أو علاج مريض، أو إعانة محتاج، أو إصلاح ذات بين، أو دعم مشروع نافع، فصار أثره ممتدًا بعد موته بسنوات طويلة، وكم من إنسان ملأ الدنيا صخبًا واستعراضًا، ثم انطفأ ذكره بمجرد أن غاب عن المشهد، فلم يبق له أثر يُذكر ولا عمل يُشكر، ومن المؤسف أن بعض الناس أصبحوا يقيسون المكانة الاجتماعية بمقدار ما يُعرض من مظاهر الثراء، وكأن قيمة الإنسان فيما يملك لا فيما يقدم، وفيما يستهلك لا فيما ينتج، وهذه نظرة قاصرة لا تصمد أمام ميزان العقل ولا أمام حكم التاريخ، فالمال في حقيقته وسيلة لا غاية، وأداة للبناء لا وسيلة للتفاخر، ومن رزقه الله نعمة المال ثم سخّرها في خدمة الناس وإغاثة المحتاجين ودعم المشاريع النافعة، فقد أحسن توظيف نعمته واستحق الثناء، أما من جعلها أداة للاستعراض وإثارة الإعجاب المؤقت، فإنه لم يجنِ منها إلا وهجًا عابرًا سرعان ما يخبو. إن الأوطان لا تنهض بصور الموائد، ولا تتقدم بالمظاهر الفارغة، وإنما تنهض بسواعد العاملين، وعقول المبدعين، وجهود المخلصين، تنهض بالمعلم الذي يبني الأجيال، والطبيب الذي يخفف آلام المرضى، والمهندس الذي يشيّد البناء، والجندي الذي يحرس الحدود، ورجل الأعمال الذي يخلق الفرص، والمتطوع الذي يبذل وقته لخدمة مجتمعه، هؤلاء هم الذين يكتب التاريخ أسماءهم بحروف من نور، لأنهم جعلوا وجودهم إضافة حقيقية للحياة،
وليس المقصود من هذا ذم النعمة أو إنكار الفرح بها، فالله جميل يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ولكن الفرق كبير بين شكر النعمة والتباهي بها، وبين الفرح المشروع والاستعراض المذموم، فالشكر يزيد النعم، أما التفاخر فيورث الغرور، والغرور يحجب صاحبه عن رؤية حقيقة نفسه وقيمة عمله، ولعل أعظم ما يتركه الإنسان بعد رحيله هو الأثر الصالح الذي ينتفع به الناس، فقد يكون هذا الأثر علمًا نافعًا، أو صدقة جارية، أو مشروعًا خيريًا، أو موقفًا نبيلًا، أو كلمة صادقة، أو يدًا امتدت لمساعدة محتاج في وقت الشدة.
هذه الأعمال الصغيرة في ظاهرها هي التي تكبر في ميزان القيم، وتبقى حية في ذاكرة الناس، وتتحول مع الزمن إلى صفحات مشرقة من الذكر الحسن، إن التاريخ لا يحفظ عدد الصحون التي وُضعت على الموائد، ولا عدد الصور التي التُقطت في المناسبات، ولا مقدار الضجيج الذي صاحب مظاهر الترف، بل يحفظ مقدار الخير الذي صُنع، والعلم الذي نُشر، والعدل الذي أُقيم، والضعيف الذي نُصر، والمحتاج الذي أُعين، ولذلك فإن العاقل هو من يسأل نفسه دائمًا: ماذا سأترك بعد رحيلي؟ وأي أثر سيبقى يحمل اسمي عندما تنطفئ الأضواء وتُطوى صفحات العمر؟
وفي النهاية، يبقى الفرق شاسعًا بين من جعل حياته رسالة، ومن جعلها استعراضًا؛ بين من بنى مجدًا حقيقيًا للأجيال، ومن اكتفى ببناء صورة مؤقتة لنفسه، الأول يرحل ويبقى أثره شاهدًا عليه، والثاني يرحل ويرحل معه كل ما صنعه من ضجيج، وهكذا كانت سنة الحياة منذ القدم، وسيظل التاريخ وفيًا لمن خدموا أوطانهم وأمتهم وأحسنوا إلى الناس، أما أصحاب الفشخرة والاستعراض فإن ذكرهم ينتهي بانتهاء المناسبة، بينما يبقى المجد حكرًا على أصحاب الإنجاز والعطاء والأثر الباقي.