د. أماني عبدالله باهديلة
كان حضوري لفعالية أسبوع الرياض الدولي للصناعة الذي بدأ في الواحد والعشرين من يونيو حزيران 2026 تجربة ثرية ومُلهمة، أتاحت لي التعرف عن قرب على أحدث التوجهات التي تقود مستقبل القطاع الصناعي في المملكة، والاطلاع على الرؤى الطموحة التي تعزز مكانة المملكة العربية السعودية مركزًا صناعيًا ولوجستيًا عالميًا، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030.
ومن أبرز ماقدمته وزارة الصناعة والثروة المعدنية في يوم الافتتاح على مدى يومين محاضرات وورش عمل قدمها صناع القرار والمسؤولون في وزارة الصناعة والثروة المعدنية، حيث استعرضوا في المحاضرات إحصائيات دقيقة وأرقاما موثِقةً ملامح الاستراتيجية الوطنية للصناعة، وجهود المملكة في تنويع الاقتصاد، وتوطين الصناعات، وتعزيز الخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد، مع التركيز على التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي بوصفهما ركيزتين أساسيتين لمستقبل الصناعة. ما قُدِّم في ورش العمل كان توضيحا لأساسيات الصناعة الكهرو ميكانيكية وما يتعلق بها من مساءلات.
كما تم استعراض أرقام مهمة جدا تمثل استراتيجية المملكة في الخدمات اللوجستية والصناعية، فهناك أربعون مدينة صناعية، وعشرة موانئ في أنحاء المملكة العربية السعودية تقوم بنقل ثلاثة عشر مليون شحنة سنويا.
وهناك ستة وثلاثون مطارا لنقل المسافرين والبضائع من حول المملكة، وهناك كذلك ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ألف كيلو متر من الطرق الممهدة لنقل البضائع حول المملكة.
واستعرض المتحدثون مثل المهندسين الأستاذ سامي سرحان، الأستاذ صهيب الماش، الأستاذ يوسف المجنوني، الأستاذ محمد البسام، الأستاذ فهد المير، تجارب محلية من وزارة الصناعة والثروة المعدنية وتجارب عالمية رائدة.
وكذلك استعرض الأستاذ الوليد الزهراني مدير تطوير الأعمال في شركة SIRC «الشركة السعودية الاستثمارية لإعادة التدوير (سرك)» دور الشركة المحوري في تحويل النفايات البلاستيكية إلى حلول مبتكرة ذات جودة عالية، مسلطًا الضوء على إسهامات «سرك» في تطوير صناعة إعادة تدوير البلاستيك وتحقيق نقلة نوعية في هذا القطاع الحيوي، والمساهمة في خلق بيئة جاذبة للاستثمار.
وكان استعراض تجربة شركة Amazon السعودية في إدارة الخدمات اللوجستية مثالا جيدا حيث قُدِّمت أرقام تعكس حجم التطور التقني الذي وصلت إليه الشركة، إذ تتعامل مع نحو ستة ملايين شحنة يوميًا، بما يتجاوز ملياري شحنة سنويًا، اعتمادًا على ما يقارب سبعمائة وخمسين ألف روبوت ذكي تعمل ضمن منظومة حاسوبية متقدمة تدير عمليات البحث، والنقل، والتحميل، والتخزين، والتوزيع بكفاءة ودقة عالية، في صورة تجسد الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي في تطوير القطاع الصناعي والخدمات اللوجستية.
زيارتي للمعرض الصناعي الدولي المصاحب للمؤتمر كانت ممتعة، فقد شارك في المعرض أكثر من 25 دولة، منها المملكة العربية السعودية «الدولة المستضيفة»، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، وقطر، وسلطنة عُمان، وجمهورية مصر العربية، والأردن، والصين، وتايوان، وألمانيا، وبلجيكا، وباكستان، وإيطاليا، وفرنسا، والمملكة المتحدة، وغيرها من الدول. وقد استعرضت هذه الدول أحدث ما توصلت إليه من تقنيات وحلول صناعية من خلال عروض حية لآلات ومعدات التصنيع والتعبئة والتغليف، والتي أبهرت الزوار بما تتميز به هذه المكائن من تقنية عالية ودقة وسرعة وكفاءة عالية، وعكست حجم التطور الذي يشهده القطاع الصناعي محليا وعالميًا.
غادرت المؤتمر وأنا أكثر يقينًا بأن المملكة تسير بخطى ثابتة نحو بناء قطاع صناعي متقدم، يعتمد على الابتكار، والتقنيات الحديثة، والشراكات الدولية، والاستثمار في الكفاءات الوطنية مما يدل حتما على أن مستقبل الصناعة سيكون أكثر ذكاءً واستدامة، وأن المملكة ماضية بثقة نحو ترسيخ مكانتها بوصفها مركزًا عالميًا للصناعة والخدمات اللوجستية.
** **
- جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن