سحر العمادي
في الماضي، كانت المعادلة التجارية بسيطة للغاية: أنت تنتج سلعة جيدة بسعر منافس، والمستهلك يشتريها لأنها تسد حاجة مادية لديه. كان السوق يُدار بمنطق المنتج والخدمة. ولكن لو تأملنا المشهد الاستثماري اليوم، سنجد أن هذه المعادلة القديمة لم تعد كافية للبقاء؛ لقد انتقل العالم ببطء وذكاء نحو مفهوم أعمق يمكننا تسميته باقتصاد المشاعر.
اليوم، لم يعد المستهلك يشتري المنتج لذاته، بل يشتري الشعور الذي يمنحه إياه هذا المنتج. نحن لا نشتري مجرد كوب قهوة الصباح، بل نشتري شعور التميز والراحة والبداية المتجددة، ولا نختار علامة تجارية معينة للملابس لمجرد جودة القماش، بل لأننا نشتري القصة والهوية التي تعكسها هذه العلامة عن ذواتنا. لقد تحول المعنى من مادي ملموس إلى شعوري غير مرئي، وباتت المشاعر هي العملة الحقيقية التي تحرك الأسواق وتحسم صراع الحصص التنافسية.
في عصر يطغى عليه الذكاء الاصطناعي والأتمتة الجافة، باتت المؤسسات والشركات تواجه خطر التحول إلى كيانات صماء لا روح فيها. من هنا أدركت الإدارات الذكية أن طوق النجاة يكمن في إضفاء الطابع البشري على تفاصيلها؛ أي تحويل الشركة من مجرد سجل تجاري وشعار جامد، إلى كيان يتحدث، ويشعر، ويتفاعل، ويمتلك قيماً أخلاقية واضحة.
عندما يتصفح العميل منصات شركة ما، هو لا يبحث عن مواصفات تقنية مكتوبة بلغة الآلة، بل يبحث عن حكاية وسرد يلمس واقعه. يريد أن يعرف: من هم البشر الذين يقفون وراء هذا المنتج؟ ما هي قيمهم؟ كيف يسهمون في تحسين المجتمع؟ والشركات التي تنجح في صياغة روايتها الإنسانية بصدق، هي التي تبني خط دفاع من الولاء لا يمكن لأي منافس كسرُه بمجرد خفض الأسعار.
قد يظن بعضهم أن الحديث عن المشاعر والقصص الحالمة هو ترف فكري لا مكان له في دفاتر الأرباح والخسائر، لكن الواقع الاقتصادي يثبت العكس تماماً. إن فهم السلوك البشري والقدرة على صياغة رواية تسويقية ملهمة يرتبطان مباشرة بالعوائد الاستثمارية ونمو الأرباح وتوسع الشركات في الأسواق المحلية والعالمية.
هذا الارتباط يتجلى بوضوح في عدة جوانب، منها تخفيض تكلفة جذب العميل؛ فالعميل الذي يرتبط بالشركة عاطفياً يتحول إلى سفير يروج لها بصدق ودون مقابل، مما يقلل من مصاريف الإعلانات التقليدية الضخمة، أضف إلى ذلك مرونة الأسعار، فالمستهلك المعاصر مستعد لدفع قيمة إضافية لشركات يثق في مواقفها الأخلاقية والإنسانية أو يشعر بالانتماء لثقافتها، مما يرفع هوامش ربحية الشركة بشكل مباشر.
كما يظهر هذا الأثر في تحقيق الاستدامة أثناء الأزمات، فالشركات التي تمتلك رصيداً من الحب والمشاعر الإيجابية لدى جمهورها، هي الأكثر صموداً عندما تعصف التقلبات الاقتصادية بالأسواق، لأن الجمهور ببساطة لا يتخلى عمن يشبهه ويلامس إنسانيته. ونرى اليوم علامات تجارية كبرى أعادت صياغة خططها الاستراتيجية لتتمحور حول تجربة العميل وعواطفه، محققةً قفزات تاريخية في قيمتها السوقية لمجرد أنها توقفت عن بيع المنافع وبدأت في بيع المعاني.
في نهاية المطاف، الأرقام في الميزانيات ليست سوى نتيجة لقرارات اتخذها بشر يتأثرون، ويحلمون، ويشعرون.
إن مستقبل الإدارة والنمو الاقتصادي لن يكون في يد من يملك البيانات الأكثر دقة فحسب، بل في يد من يمتلك الذكاء العاطفي والقدرة على قراءة تلك البيانات بعيون إنسانية، وصياغتها في شكل تجارب تلمس القلوب. الذكاء الاصطناعي قد يمنح الشركات الكفاءة والسرعة، لكن اقتصاد المشاعر وضخ الروح الإنسانية في تفاصيل العمل هو الوحيد الذي يمنحها الحياة والاستمرارية.
** **
- كاتبة وباحثة في التطوير الإداري والتقني