د. أريج بنت عبدالكريم بن حمود الخلف
النملة؛ تلك المخلوقة الصغيرة التي لا يتجاوز وزنها حبة رمل، والتي تحمل من الأسرار ما يعجز الألسن. إنها حضارة متكاملة في جسد مجهري، تظهر تحت المجهر برأسها الصغير، وأعينها المركبة، وفكاها المتقاطعان أشبه بمقص جراحي دقيق، تستخدمه لقطع أوراق تفوق حجمها عشرات المرات. أقدامها الست مزودة بوسائد لاصقة، تتيح لها السير على الزجاج الأملس منكوسةً، كما لو أن الجاذبية تخدمها، لا تعارضها.
ويعد النمل من أنجح الحشرات الاجتماعية وأكثرها انتشاراً؛ إذ يعيش بتنظيم اجتماعي معقد، وتعاون متقن، في مستعمرات منظمة جداً. وينتمي النمل إلى رتبة غشائية الأجنحة كالنحل والدبابير. وقد وثق العلماء 20 ألف نوع منه حول العالم، فلا عجب أنه يمثل 10 % من كتلة الحيوانات الأرضية والتي تواجدت من أكثر من 100 مليون عام، أي قبل انقراض الديناصورات.
في دماغها نحو مليون خلية عصبية، تدار بها مهام التنقل والتواصل والتعلم والذاكرة الاجتماعية، وهي تبني شوارع وتوزع مهاما وتشن حروبا وتمارس الزراعة.
أما قرناها فهما ليسا مجرد هوائيين؛ إنهما معجزة حسية مركبة: يشمان الطعام من مسافات تقيس المئات من أجسادها، ويحسان الاهتزازات، ويتبادلان الكيمياء مع أخواتها عبر منظومة بالغة التعقيد. إنها تعيش في عالم كيميائي غني لا نرى منه شيئاً.
تزن النملة أقل من ملليغرام في الغالب، غير أنها قادرة على حمل ما يعادل خمسين ضعف وزنها دون شكوى. لو أن الإنسان يمتلك هذه النسبة من القوة، لتمكن من حمل سيارة. والمذهل أكثر من قوتها هو اقتصادها في الطاقة. فالنملة لا تبدد جهدها، ولا تسلك طريقاً أطول مما ينبغي. فقد أثبتت الدراسات الحركية أن مسارات النمل في نقل الطعام هي مسارات مثلى رياضياً، فخلاياها العصبية لها كفاءة حسابية مذهلة، تضاهي أفضل خوارزميات الحوسبة التي ابتكرها البشر. فيصل النمل إلى حلول قريبة من المثالية دون حاسوب أو قلم.
إعجاز كيف تعرف؟
من أين تعرف النملة ما تعرفه؟ السؤال الذي لم يجد الإجابة الدقيقة له حتى الآن. وقد خصها الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم بسورة كاملة، فالنملة في الآية الكريمة تتكلم وتقول وتحذر، بل الأعمق من ذلك أنها تعرف اسم سليمان عليه السلام وتعرف جنوده. وتتنبأ بالأحداث من حولها؛ بالحدس السياسي والاستشعار، مالم تره من وصول سليمان وجنوده {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ} [النمل: 18 - 19].
ومن اللطائف؛ أن النملة في كلمات قليلة أظهرت صفات قيادية واجتماعية مميزة: التحذير، وتحمل المسؤولية، والحرص على الجماعة، وحسن الظن بالآخرين، وهي صفات أثارت إعجاب سليمان عليه السلام. فقد تبسم لها ضاحكاً؛ ابتسامةً أظهرت إعجابه بفطنة النملة وحكمتها بالتحذير العاجل لقومها، وبعدل النملة في كلامها وحسن ظنها، فقد يحدث الضرر من سليمان وجنوده وهم لا يشعرون؛ إذ نسبت احتمال الضرر إلى عدم العلم، لا إلى الظلم. فتبسم لها ابتسامةً ضاحكة بكل سرور وتعجب ورحمة وإعجابٍ رقيق، لا ضحك سخرية، حيث شكر الله مباشرة على هذه النعمة، وبما خصه من فهم، فقال: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ} (النمل:19).
ومن كلام ابن كثير في تفسير هذه الآية أنه تبسم من قولها «إعجابًا بما دل عليه من عقلها وفهمها». كما أشار القرطبي إلى أن النملة جمعت في خطابها بين التحذير لقومها وحسن الأدب مع سليمان عليه السلام.
وفي كل مرة أرى فيها صفاً من النمل ينساب على الأرض، أقف للحظة. ليس من باب العاطفة، بل من باب الاحترام العلمي الحقيقي لهذا الكيان الذي يشعرني بذلك الشعور الجميل الذي عاشه سليمان عليه السلام ووصفه العلماء بالدهشة. فهي تسير بخطى واثقة بكل عزم وإصرار وصبر، تعمل وتتكيف منذ ملايين السنين، دون أن تنتظر اعترافا أو تقديراً. إن في التفكر فيها اتساعاً للعقل وتواضعاً للروح ودهشةً لا تنتهي أمام حكمة الخالق في مخلوقاته.
إنها اللغة بلا كلمات، تواصل يفوق الخيال بلغة الفيرمونات برسائل لا حصر لها: ها هنا الطعام، هنا الخطر، هذا المسار آمن، هذا عدو فادفعوه، هذه الأخت احموها. وقد أثبتت الدراسات أن النملة قادرة على تمييز فيرومون تفرزه مستعمرتها عن فيرومون مستعمرة أخرى من النوع ذاته، بدقة تتجاوز قدرة أدق أجهزة الكشف الكيميائي البشرية.
والأعجب أن هذه الإشارات ليست مجرد أوامر عمياء. فحين تجد النملة مصدر طعام، فإنها تقيم جودته، وتحسب المسافة، وتضع في حسبانها كثافة الحركة وجهاتها ومداها، ثم تصدر إشارتها الفيرومونية بـحجم يتناسب مع قيمة الطعام.
هندسة المستعمرة.. التواصل الخفي وطقوس الحياة اليومية
تعمل المستعمرة ككائن واحد موزع، لا مخاً مركزياً ولا رئيساً تنفيذياً، وإنما ذكاء جماعياً لا يخطئ. اسمه في الأدب العلمي Swarm Intelligence، وهو اليوم مصدر إلهام لخوارزميات الذكاء الاصطناعي. إنها المدينة الذكية تحت الأرض، تمتد مدينة متكاملة، بخنادق وممرات وغرف مخصصة للبيض، بحرارة ورطوبة مضبوطتين بدقة درجة واحدة، أقسام للطعام، ممرات تهوية، ومخارج طوارئ. كل نملة تنجز دورها الصغير، وفجأةً تنبثق من هذه الأدوار الصغيرة حضارة متكاملة، لا مركزية، لا بيروقراطية، بلا مهندسين ولا مدراء ولا اجتماعات مجلس إدارة. فقط نظام موزع يعمل بتناغم مذهل.
ولا يوجد في المستعمرة وزير يتأمر ولا رفيق يتنمر، ولكنها ديمقراطية الفيرمون. فالملكة لا تقود إنما هي تبيض فحسب. والقيادة الحقيقية موزعة في الهواء على شكل إشارات كيميائية لا مرئية. فحين تجد العاملة الطعام تترك خلفها خيطا من الفيرمون تتبعه الأخريات فيتضاعف الخيط ليصنع طريقا سياراً، ويخفت حين ينضب المصدر. تحمل العاملات الغذاء إلى العش مباشرة أو تخزنه مؤقتًا في حوصلة خاصة لنقله إلى بقية أفراد المستعمرة. وقد يمتلك في أمعائه مجتمعات ضخمة ومتخصصة من الكائنات الدقيقة بعلاقة تعد من أشهر وأقوى أمثلة التكافل الإجباري الذي يضمن لها هضم الطعام وامتصاصه حسب نوع الغذاء.
تلك العاملة التي تبني قنوات التهوية المثلى في المستعمرة لم تتعلم الهندسة. والجندية التي تسد مدخل العش بجسدها تبقى هناك ساعات دون أن يأمرها أحد. والأخرى التي تحمل جثة أختها الميتة وتلقيها بعيداً خارج النفق تتصرف وكأنها تعرف معنى الموت وأهمية النظافة الصحية للمستعمرة.
طبقات المستعمرة
يمر النمل بأربع مراحل أساسية في دورة حياته، تستغرق من عدة أسابيع إلى أشهر حسب النوع والظروف البيئية المحيطة. بدءاً بالبيض، ثم الطور اليرقي، فالطور العذري، وأخيرا البالغ. وهنا أشير إلى فئات المستعمرة وليس طبقاتها، والتي على رأسها الملكة، وهي قلب المستعمرة، بالرغم من أنها لا تصدر الأوامر ولا تقود، ويصل عمرها إلى عدة سنوات، وظيفتها الوحيدة هي وضع البيض، حيث تضع ما يصل إلى ألف بيضة يوميا دون انقطاع. ومن المنصف أن نطلق عليها الملكة الأم، فهي أم لكل تلك الأفراد. وتبقى داخل العش غالبًا، وتعتمد على العاملات في توفير الغذاء وتنظيفها ورعايتها. وتلقيمها الغذاء، والذي قد تهضمه لها اليرقات مسبقاً. تفرز الملكة فيرموناً يعلم المستعمرة بأنها حية وبخير، وعند توقف هذا الإفراز يبدأ النظر في الخلافة، وفي الأنواع التي تضم ملكات متعددة، توجد هرمية دقيقة تحددها الكيمياء، لا العنف.
العاملات (العقل التنفيذي) إناث عقيمات، بعمر لا يتجاوز بضعة أشهر وهناك اختلاف هائل بين الملكات والعاملات يبدأ من الغذاء في مرحلة اليرقة. وتقوم كل عاملة تلقائيا بحسب عمرها بدور معين من حضانة اليرقات والعناية بها وتغذيتها وتنظيفها، ثم بناء الأنفاق، ثم الحراسة ثم البحث عن الطعام، حين ينقص الطعام. بمرونة وظيفية لامثيل لها. والعاملات تتحكم أيضًا بصورة غير مباشرة في نمو الأجيال الجديدة وتركيب المجتمع داخل المستعمرة، من خلال المنيو المقدم لليرقات حيث تؤثر كمية ونوعية الغذاء الذي تتلقاه اليرقات في نموها. فاليرقات التي تحصل على تغذية خاصة وغنية قد تتطور إلى ملكات، بينما تتطور معظم اليرقات الأخرى إلى عاملات أو جنود.
الجنود (درع المستعمرة) الجنود في النمل إناث في الغالبية العظمى من أنواعه، وهن عاملات عقيمات يحملن خصائص معينة، تتميز بأجسام أكبر أو رؤوس وفكوك أقوى لتأدية مهام الدفاع أو معالجة الغذاء. والفرق بين العاملة والجندية غالبًا يعود إلى التغذية والعوامل الهرمونية أثناء النمو، وكلاهما نتجت من بيض مخصب. وكونهما إناثا لا يعني بالضرورة أنهن قادرات على التكاثر.
وهذه إحدى أعظم سمات تطور النمل؛ فبدل أن تتكاثر كل أنثى بمفردها، تتعاون آلاف الإناث الشقيقات في دعم ملكة واحدة أو عدد قليل من الملكات، مما يزيد نجاح المستعمرة ككل. ومن المثير للاهتمام أن العاملات اللاتي يقمن برعاية البيض واليرقات، والجنود اللاتي يقمن بالحراسة هن غالبًا بنات الملكة نفسها، أي أن المستعمرة تتكون في معظمها من أخوات يعملن على تربية أخواتهن الجدد وحمايتهن أيضاً.
الذكور لهم دور تكاثري أساسًا، ووجودهم في الغالب موسمي فقط، وينتج الذكور من بيض غير مخصب، ولا يعملون كعاملات أو جنود داخل المستعمرة. وظيفتهم الوحيدة هي نقل الحمض النووي خلال موسم التكاثر، ويموتون بعد التزاوج في معظم الأنواع، وقد تطردهم العاملات من المستعمرة قبل الشتاء لتوفير الموارد. أما الملكة فتحتفظ بالحيوانات المنوية طوال حياتها ليتم تخصيب البيض تدريجيا خلال فترة بقائها.
مرونة النظام وليس هشاشته
يعيش النمل ضمن نظامٍ مرنٍ، لكنه ليس هشاً، فعند اختلال التوازن وموت الملكة، أو فقدان عدد كبير من العاملات، فإن المستعمرة تعيد تنظيم نفسها في ساعات. فلا تنهار ولا تتفكك بعد موت الملكة أو ضعفها، بل تتكيف. إنها آلية الخلافة Succession التي تضمن استمرارية المستعمرة لعقود. ففي كثير من الأنواع، تنتج المستعمرة ملكات مجنحة جديدة. وبعد التزاوج، تبقى إحداهن أو أكثر داخل المستعمرة لتحل محل الملكة الأم عند موتها أو تراجع خصوبتها. وفي أنواع أخرى توجد عدة ملكات فلن يؤدي موت أحدها إلى انهيار المستعمرة، وأكثر من ذلك فقد تتمكن بعض العاملات من التزاوج لتكون بديلة عن الملكة التقليدية وتسمى العاملات المتكاثرة، يحدث ذلك بتفاعلات اجتماعية محددة لدى المستعمرة.
يجسد النمل المعنى الحقيقي للانتماء والولاء والتضحية، ففي عام 2018، نشرت مجلة PLOS ONE دراسةً أذهلت الباحثين. اكتشف أن بعض أنواع النمل في جنوب شرق آسيا منً جنس Camponotus saundersi تمتلك غدداً ضخمة مليئة بسائل سام. وحين يشعر هذا النمل بأن المعركة خاسرة، يقلص عضلاته بعنف فيفجر جسده عمداً، محولاً نفسه إلى قنبلة حيوية تبيد أعداءه وتحمي مستعمرته. ينتحر لأنه ينتمي.
ثمة أيضاً النمل الجندي الذي يغلق باب العش بجسده حين يهدد الوكر، فيكون بذلك درعاً حياً. والعمالة التي تغذي المرضى والعاجزين، وتحمل موتاها إلى مقابر مخصصة خارج العش، حتى لا تنتشر الأمراض.
وأكثر أنواع النمل شيوعاً هو النمل الأسود، وهو الأكثر انتشارا في المنازل والحدائق، والنمل الأحمر (نمل النار) الذي يسبب لسعات مؤلمة جداً، والنمل الأبيض (الأرضة)، ذلك الذي يتغذى على الخشب ويسبب أضراراً اقتصادية كبيرة. وهناك النمل الفرعوني، وهو صغير جداً وينتشر في المنازل.
دور النمل في الاستدامة البيئية والزراعة والرعي والطب
يمارس النمل الزراعة منذ ملايين السنين قبل أن يوجد الإنسان. فنمل الوراق Leaf cutter ants يقطع أوراق الأشجار ويحملها إلى مزارعه تحت الأرض، لا ليأكلها، بل لينبت عليها فطراً خاصاً هو غذاؤه الوحيد. وهو يسمد هذه المزارع ويرعاها، ويعالجها من الآفات الفطرية الضارة، وينقي الهواء فيها.
ويلعب النمل دورًا مهمًا في نشر البذور Myrmecochory أيضاً، وهي علاقة تكافلية بين النمل والنباتات. حيث تحمل العاملات البذور إلى أعشاشها بسبب وجود زائدة غذائية غنية بالدهون والبروتينات تسمى الإليوسوم (Elaiosome) ملتصقة بالبذرة. بعد استهلاك هذه الزائدة، تتخلص النملة من البذرة السليمة داخل العش أو في مكبات النفايات الخاصة بالمستعمرة. وهذا يساهم في إيداع البذور في مواقع غنية بالمواد العضوية والرطوبة مما يزيد من فرص الإنبات، وتعزيز انتشار النباتات والحفاظ على التنوع النباتي في النظم البيئية.
وقد وثقت هذه الظاهرة في آلاف الأنواع النباتية حول العالم، خاصة في الغابات والأراضي الجافة والمناطق المتوسطية، مما يجعل النمل أحد أهم عوامل انتشار البذور بعد الرياح والطيور والثدييات. ولذلك يعد النمل عنصرًا بيئيًا مؤثرًا في تجدد الغطاء النباتي واستدامة النظم البيئية.
أما الرعي فقد ذكر كتاب Journey to the Ants أن بعض أنواع النمل تمارس سلوكًا يشبه تربية الماشية؛ إذ تعتني بحشرات المن (Aphids) والحشرات القشرية وتحميها من المفترسات والطفيليات، بل وتنقلها أحيانًا إلى نباتات جديدة أكثر ملاءمة للتغذية. وفي المقابل، تحصل النملات منها على الندوة العسلية (Honeydew)، وهي سائل سكري غني بالطاقة تفرزه حشرات المن أثناء تغذيتها على عصارة النباتات. تقوم العاملات بتحفيز المن بملامسة قرون استشعاره، فيفرز قطرات الندوة العسلية التي تجمعها النملات وتتغذى عليها أو تنقلها إلى المستعمرة. وفي فيلم حياة حشرة وبصورة طريفة تظهر ملكة النمل حاملةً بين يديها حشرة صغيرة طوال الفيلم إشارة إلى حشرة المن الذي يحظى برعاية النمل.
وهذا السلوك يعتبر مثالًا مميزًا على العلاقات التكافلية في الطبيعة، حيث يستفيد كل من النمل والمن؛ فالنمل يحصل على مصدر غذائي مستمر، بينما ينال المن الحماية والرعاية، في علاقة تشبه إلى حد بعيد الرعي وتربية الحيوانات لدى الإنسان.
وفي الطب، فقد أثبتت الدراسات الحديثة أن النمل يميز النملات المريضة في المستعمرة ويعزلها قبل أن تنتشر العدوى، وأنه يمتلك في غددٍ خاصة مضادات فطرية طبيعية لمعالجة الجروح. بل إن بعض الأنواع تستخدم إفرازات نباتية كمضادات حيوية وتعطيها للمريضات. هذا طب قبائلي بكل معنى الكلمة.
ويحظى سم النمل باهتمام متزايد في الأبحاث الطبية والتي تشير إلى أنه يمثل مصدرًا واعدًا لمركبات دوائية مستقبلية، خاصة في مجالات مكافحة الميكروبات والالتهابات والسرطان. بسبب احتوائه على مركبات حيوية ذات تأثيرات دوائية محتملة. إلا أن هذه النتائج ما زالت في مراحل البحث ولم تتحول إلى علاجات سريرية معتمدة.
ويختلف تركيب السم بين أنواع النمل، لكنه يحتوي عمومًا على أحماض عضوية وببتيدات وبروتينات وجزيئات نشطة بيولوجيًا، وقادرة على إحداث تفاعلات تحسسية قد تكون شديدة لدى بعض الأشخاص.
وختاماً فبعد قرابة ربع قرن من دراسة علم الحشرات، لم أصبح أقل إعجاباً به؛ بل على العكس أصبحت أرى فيه حكمة تتجاوز ظاهر الألفاظ، وإبداعاً لافتاً لا حدود له. فالنمل، بكل بساطته الظاهرة وعمقها الخفي وتفوقه للبقاء، له دوره العظيم في البيئة من تهوية التربة، وإعادة تدوير المواد العضوية، ونشر البذور، والمحافظة على توازن النظم البيئية. {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام:38]
وللاستزادة حول أسرار عالم النمل، فإنني أشيد بكتاب Journey to the Ants للعالمين Edward O. Wilson وBert H?lldobler الذي يقدمان فيه رحلة علمية شيقة إلى عالم النمل وأسراره وسلوكه المعقد، ويعد الكتاب مدخلًا ممتازًا لفهم عالم النمل، إذ يجمع بين الدقة العلمية والأسلوب السردي الجذاب الذي يجعل القارئ يقدر تعقيد هذه المجتمعات الحشرية المذهلة.
** **
أستاذ علم الحشرات بكلية العلوم في جامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن - زميل رئيس لأكاديمية التعليم العالي البريطانية