د. محمد بن إبراهيم الملحم
مع بداية الإجازة الصيفية يتنفس الطلاب الصعداء بعد عام دراسي طويل، وهو حق طبيعي، لكن تبدأ المشكلة عندما تتحول الإجازة من فترة راحة وتجديد إلى أشهر طويلة من السهر والشاشات والألعاب الإلكترونية والانقطاع الكامل عن القراءة والتعلم والنشاط البدني، عندها لا يعود الطالب إلى المدرسة مرتاحاً، بل يعود وقد فقد جزءاً من مهاراته وعاداته الدراسية، وتشير دراسات تربوية عديدة إلى ما يسمى «الفاقد التعليمي الصيفي»، وهو تراجع بعض المهارات والمعارف خلال فترات الانقطاع الطويلة عن الدراسة، خصوصاً في الرياضيات والقراءة. وقد وجدت أبحاث أن بعض الطلاب قد يفقدون ما يعادل شهراً أو أكثر من التقدم التعليمي خلال الإجازة إذا انقطعت الممارسة تماماً، وهناك عدة دراسات في هذا الشأن؛ منها دراسة كوبر وزملائه (Cooper et al.) عام 1996، والتي تعد من أشهر الدراسات في مجال الفاقد التعليمي الصيفي. وقد كانت عبارة عن تحليل تجميعي (Meta-analysis) شمل عشرات الدراسات السابقة، وتوصل الباحثون إلى أن الطلاب يفقدون خلال العطلة الصيفية جزءاً من معارفهم ومهاراتهم الأكاديمية، وأن هذا التراجع يظهر بصورة أكبر في مادة الرياضيات مقارنة ببعض المجالات الأخرى، خصوصاً عندما ينقطع الطالب تماماً عن القراءة والتدريب الذهني خلال الإجازة. وهناك دراسة أجراها ألكسندر وإنتويسل وأولسون (Alexander, Entwisle الجزيرة Olson) عام 2007، تابعت أداء الطلاب عبر سنوات متعددة، وأظهرت أن الفجوات التعليمية التي تتشكل خلال العطل الصيفية قد تتراكم مع الزمن، بحيث يصبح جزء مهم من التفاوت الدراسي بين الطلاب مرتبطاً بكيفية استثمارهم لفترات الإجازة أكثر من ارتباطه بالعام الدراسي نفسه، كما خلص تقرير بحثي واسع أصدرته مؤسسة RAND الأمريكية عام 2011 إلى أن البرامج الصيفية الجيدة، التي تجمع بين التعلم والأنشطة الجاذبة للطلاب، تسهم في الحد من الفاقد التعليمي وتحافظ على المهارات الأكاديمية الأساسية، خاصة لدى الطلاب الأكثر عرضة للتراجع الدراسي.
والواقع أن الهدف ليس تحويل الإجازة إلى فصل دراسي آخر، بل المطلوب هو المحافظة على العقل نشطاً، وإبقاء الطالب متصلاً بالمعرفة بصورة ممتعة وغير مرهقة، ولا ننسى أن الآباء يلاحظون نمطاً متكرراً في الإجازة لدى أولادهم: نوم بعد الفجر، واستيقاظ عند الظهر، وساعات طويلة أمام البلاي ستيشن أو الهاتف أو مقاطع الفيديو القصيرة، والمشكلة ليست في الترفيه نفسه، بل في الإفراط الذي يطرد كل نشاط آخر من حياة المراهق، وتشير تقارير ودراسات حديثة إلى أن الاستخدام المفرط للشاشات قد يرتبط بتراجع النشاط البدني واضطراب النوم ومشكلات في الصحة النفسية والتركيز، خاصة عندما يستهلك معظم وقت الفراغ، قد وجدت دراسة توينج وكامبل (Twenge الجزيرة Campbell) المنشورة عام 2018، والتي اعتمدت على بيانات عدد كبير من الأطفال والمراهقين في الولايات المتحدة، أن ارتفاع الوقت الذي يقضيه الأبناء أمام الشاشات والأجهزة الرقمية ارتبط بانخفاض مؤشرات الرفاه النفسي والرضا عن الحياة وارتفاع بعض المشكلات النفسية والسلوكية مقارنة بأقرانهم الذين يستخدمونها بصورة أكثر اعتدالاً، كما نشرت مجموعة من الباحثين بقيادة ناغاتا (Nagata et al.) دراسة في مجلة JAMA Pediatrics عام 2022، توصلت فيها إلى وجود ارتباط بين الإفراط في استخدام الشاشات وبين اضطرابات النوم وتراجع النشاط البدني وظهور بعض المشكلات السلوكية والانفعالية لدى المراهقين، مع التأكيد على أن التأثير لا يرتبط بالشاشات وحدها بقدر ارتباطه بإزاحتها لأنشطة ضرورية أخرى مثل النوم والرياضة والتفاعل الاجتماعي، وتتفق هذه النتائج مع التوجيهات التي أصدرتها منظمة الصحة العالمية عام 2019، والتي شددت على أهمية تقليل السلوك الخامل المرتبط بالشاشات وزيادة النشاط البدني والحفاظ على نوم صحي ومنتظم للأطفال والمراهقين، باعتبار ذلك جزءاً أساسياً من النمو الجسدي والنفسي السليم، ومن المهم الإشارة إلى أن معظم الباحثين لا يدعون إلى منع الشاشات أو الألعاب الإلكترونية بشكل كامل، وإنما يحذرون من تحولها إلى النشاط الرئيسي الذي يطغى على القراءة والرياضة والهوايات والعلاقات الاجتماعية والنوم الصحي، وهو ما يحدث للأسف لدى عدد غير قليل من الأبناء خلال الإجازة الصيفية، وللحديث بقية لنتكلم عن الحلول المقترحة لتلطيف هذه المشكلة التي تتكرر سنويا على الآباء والأمهات.