حوار - وائل العتيبي:
لا تُبنى الصناعات الثقافية الكبرى بمؤسسة واحدة، ولا تنهض بمهرجان منفرد، بل بمنظومة تتكامل فيها الأدوار، من اكتشاف المواهب وتأهيلها، إلى التمويل والإنتاج والتوزيع والوصول إلى الجمهور. والسينما السعودية اليوم تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التحول، بعد أن انتقلت من مرحلة المبادرات الفردية إلى منظومة وطنية متكاملة، تقودها رؤية السعودية 2030.
وفي خضم هذا الحراك، يتكرر سؤال يطرحه كثير من المتابعين كلما اجتمع اسما مهرجان أفلام السعودية ومهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي: هل يتنافسان على قيادة المشهد السينمائي السعودي؟
الواقع أن هذا السؤال لم يعد يعكس طبيعة المرحلة. فمنذ انطلاق مهرجان أفلام السعودية عام 2008، لعب دورًا محوريًا في احتضان التجارب الأولى، واكتشاف المواهب، وبناء المعرفة السينمائية، فيما جاء مهرجان البحر الأحمر عام 2021 ليفتح آفاقًا جديدة أمام السينما السعودية عبر التمويل، والإنتاج المشترك، واستقطاب الخبرات العالمية، وربط الفيلم السعودي بالأسواق الدولية.
وبين هذين الدورين، تتجلى فلسفة المشروع السينمائي السعودي؛ فهناك من يغرس الجذور، وهناك من يفتح نوافذ العبور إلى العالم. ومن هنا، تبدو العلاقة بين المهرجانين علاقة تكامل، لا منافسة، داخل مشروع ثقافي وطني ينظر إلى السينما بوصفها صناعةً، وأداةً للقوة الناعمة، وجسرًا للحوار مع العالم.
في هذا الحوار مع هاني الملا، الرئيس التنفيذي لجمعية السينما، نتجاوز سؤال «من الأهم؟» إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف تتكامل المهرجانات والمؤسسات الثقافية في بناء صناعة سينمائية سعودية مستدامة؟
من منصة للعروض... إلى مؤسسة تبني ذاكرة السينما السعودية.
* بعد أكثر من عقد على انطلاق مهرجان أفلام السعودية، كيف تصفون دوره اليوم؟ وهل تغيرت رسالته مع ظهور مهرجان البحر الأحمر؟
• انطلق المهرجان استجابةً لحاجة حقيقية داخل المجتمع السينمائي المحلي، ليكون مساحة تحتضن التجارب الأولى، وتمنح الفيلم السعودي فرصة العرض والحوار والتوثيق. ومع تطور المشهد، تطور دوره أيضًا، فلم يعد مجرد منصة لعرض الأفلام، بل أصبح مؤسسة تسهم في بناء البنية المعرفية والمهنية للصناعة، عبر المسابقات، وسوق الإنتاج، والورش، والإصدارات التوثيقية.
أما ظهور مهرجان البحر الأحمر، فلم يغيّر رسالة مهرجان أفلام السعودية، بل أكد أن الصناعة السعودية أصبحت أكثر نضجًا، وباتت تحتاج إلى منصات متعددة، لكل منها هويتها ووظيفتها، بينما يجمعها هدف واحد هو خدمة السينما السعودية والارتقاء بها.
* كيف ترون العلاقة بين مهرجان أفلام السعودية ومهرجان البحر الأحمر؟
• العلاقة بين المهرجانين علاقة تكامل وليست منافسة. فمهرجان أفلام السعودية يعمل في العمق، من خلال اكتشاف المواهب، وتطوير المشاريع، وبناء المعرفة السينمائية، وتوثيق التجربة المحلية، بينما يفتح مهرجان البحر الأحمر نافذة دولية للفيلم السعودي عبر التمويل، والإنتاج المشترك، واستقطاب الخبرات والأسواق العالمية.
الصناعة المستدامة لا تقوم على مهرجان واحد، بل على منظومة تضم المهرجانات، والورش، والأسواق، وجهات التمويل، والمؤسسات التعليمية. ولهذا فإن تعدد المنصات يعكس نضج القطاع واتساعه، ويمنح الفيلم السعودي رحلة متكاملة تبدأ من الفكرة، وتنتهي بالحضور العالمي.
* هل نجح مهرجان أفلام السعودية في التحول إلى مؤسسة تكتشف المواهب وتصنع الكفاءات؟
• أعتقد أن هذا التحول من أبرز إنجازات المهرجان. فمنذ البداية لم يكن الهدف عرض الأفلام فحسب، بل بناء بيئة مهنية تلتقي فيها الموهبة بأدوات الصناعة. واليوم يقدم المهرجان منظومة متكاملة تضم سوق الإنتاج، والورش، والجلسات المتخصصة، والإصدارات البحثية، بما يمنح صناع الأفلام فرصًا حقيقية لتطوير مشاريعهم والتواصل مع المنتجين والممولين.
وفي الوقت نفسه، يبقى تأهيل الكفاءات مسؤولية تشاركية بين هيئة الأفلام، والمؤسسات الأكاديمية، والجمعيات المهنية، والقطاع الخاص، لكننا نفخر بأن المهرجان كان نقطة الانطلاق لكثير من الأسماء التي تقود المشهد السينمائي السعودي اليوم.
* ما الذي يميز مهرجان أفلام السعودية عن بقية المهرجانات في المنطقة؟
• تكمن خصوصية مهرجان أفلام السعودية في أنه نشأ من داخل الحراك السينمائي المحلي، وتطور معه خطوة بخطوة، حتى أصبح جزءًا من ذاكرة السينما السعودية. لذلك، لا يُقاس تميزه بعدد الضيوف أو العروض، بل بقدرته على مواكبة تطور الصناعة، وتوثيقها، وصناعة بيئة تجمع بين العرض، والتدريب، وسوق الإنتاج، والنشر المعرفي، والاحتفاء بالرواد.
كما يتميز بعلاقته الوثيقة مع صناع الأفلام، إذ يجمع في مساحة واحدة المخرج الشاب بالمخضرم، والطالب بالأكاديمي، والكاتب بالمنتج، وهو ما جعله، بالنسبة لكثير من السينمائيين، المحطة الأولى التي بدأت منها رحلتهم المهنية.
السينما الكورية... نافذة على صناعة ناجحة
* استضافة برنامج «أضواء على السينما الكورية» هذا العام... هل الهدف مجرد عرض أفلام عالمية، أم بناء شراكات معرفية ومهنية؟
• الاحتفاء بالسينما الكورية يتجاوز فكرة عرض الأفلام؛ فهي واحدة من أبرز التجارب العالمية التي نجحت في بناء صناعة متكاملة انطلقت من هويتها المحلية إلى فضاء العالمية. ومن هذا المنطلق، يأتي البرنامج امتدادًا لنهج المهرجان في الانفتاح على التجارب الدولية، بعد استضافة السينما اليابانية والهندية في دورات سابقة.
ومن خلال الندوات المتخصصة، واستضافة خبراء من بوسان وسول، نتيح لصناع الأفلام السعوديين فرصة للاطلاع على آليات الإنتاج والسرد وبناء الجمهور، بما يرسخ جسورًا معرفية، ويفتح المجال أمام شراكات ثقافية وإنتاجية مستقبلية.
وليس اختيار التجربة الكورية مصادفة، بل لأنها تمثل نموذجًا يؤكد أن نجاح السينما يبدأ ببناء منظومة متكاملة من التعليم، والدعم، والمهرجانات، والإنتاج، وهو ما تسعى المملكة إلى ترسيخه ضمن مشروعها السينمائي.
الاختلاف في الوظيفة... والغاية واحدة
* أين يلتقي مهرجان أفلام السعودية مع مهرجان البحر الأحمر، وأين تختلف أدوارهما؟
• يلتقي المهرجانان عند هدف واحد، هو دعم السينما السعودية وتمكين صناعها وتعزيز حضورها محليًا وعالميًا، لكنهما يختلفان في طبيعة الدور الذي يؤديه كل منهما.
فمهرجان أفلام السعودية يركز على الفيلم المحلي، واكتشاف المواهب، وتطوير النصوص، وبناء المعرفة السينمائية، وتوثيق التجربة الوطنية، بينما يتحرك مهرجان البحر الأحمر في الفضاء الدولي، عبر استقطاب شركات الإنتاج، وإطلاق برامج التمويل والإنتاج المشترك، وربط المشاريع السعودية بالأسواق العالمية.
هذا التنوع في الأدوار يمنح الفيلم السعودي مسارًا متكاملًا يبدأ بالفكرة، ثم التطوير والإنتاج، وصولًا إلى المهرجانات الدولية والجمهور العالمي، ولذلك فإن نجاح أحد المهرجانين يعزز نجاح الآخر، لأن كليهما يعملان ضمن مشروع وطني واحد.
السينما السعودية
من مرحلة التأسيس إلى مرحلة الصناعة
* في ضوء هذا التحول، كيف ترون مستقبل السينما السعودية خلال السنوات المقبلة؟
- ما تشهده السينما السعودية اليوم هو انتقال حقيقي من مرحلة المبادرات إلى مرحلة بناء المؤسسات. فلدينا بيئة تنظيمية أكثر نضجًا، وهيئة أفلام تقود التحول، ومهرجانات تؤدي أدوارًا متكاملة، إلى جانب جامعات، وبرامج تدريب، وصناديق تمويل، وقطاع خاص بدأ يدرك القيمة الثقافية والاقتصادية للصناعة.
ويبقى التحدي في المرحلة المقبلة هو إنتاج أفلام قادرة على المنافسة عالميًا، وصناعة جمهور أكثر وعيًا، مع الحفاظ على الهوية الثقافية السعودية. وما تحقق حتى الآن يمنحنا الثقة بأننا لا نبني موسمًا سينمائيًا ناجحًا، بل نؤسس لصناعة مستدامة سيكون أثرها حاضرًا في الثقافة والاقتصاد وصورة المملكة عالميًا.
الخاتمة
بعد هذا الحوار، يتضح أن السؤال الذي رافق ظهور مهرجان البحر الأحمر: «هل ينافس مهرجان أفلام السعودية؟» لم يعد يعكس حقيقة المشهد السينمائي في المملكة.فالسينما السعودية تجاوزت مرحلة المقارنات بين المؤسسات، ودخلت مرحلة بناء المنظومة، حيث تتكامل الأدوار وتتحد الغايات. فبينما يرسخ مهرجان أفلام السعودية القاعدة المحلية عبر اكتشاف المواهب، وبناء المعرفة، وتوثيق التجربة، يفتح مهرجان البحر الأحمر آفاقًا أوسع للتمويل، والإنتاج المشترك، والوصول إلى الأسواق العالمية.
وهكذا، لم تعد المهرجانات مجرد مناسبات لعرض الأفلام، بل أصبحت ركيزة في مشروع وطني متكامل ينظر إلى السينما بوصفها صناعة ثقافية واقتصادية، وأحد أبرز أدوات القوة الناعمة للمملكة.
ولعل القيمة الحقيقية لهذا التكامل لا تكمن في تعدد المهرجانات، بل في قدرتها، مجتمعة، على أن تمنح الفيلم السعودي رحلة متكاملة؛ تبدأ بفكرة، وتنمو بالمعرفة، وتكتمل بالإنتاج، قبل أن تصل إلى العالم وهي تحمل هوية المملكة وثقافتها بثقة واقتدار.