محمد البهيدل
لم يعد التعصب الرياضي مجرد انفعال تشجيعي عابر يزول بصافرة الحكم، بل بات ظاهرة سلوكية مرضية تقترب في تصنيفاتها الطبية من الاضطرابات القهرية واعتلالات الشخصية.
وعندما يعجز المشجع عن كبح جماح اندفاعاته، ويتحول نقد الخسارة إلى رغبة عارمة في التدمير المعنوي، فنحن لا نواجه ناقداً رياضياً، بل نقف أمام حالة سريرية تستوطن المدرجات والمنابر الإعلامية.
إن تتبع سلوكيات المتعصبين يكشف عن تشوهات نفسية عميقة، لعل أبرزها متلازمة النرجسية بالوكالة (Vicarious Narcissism)، حيث يعاني المتعصب من فراغ في هويته الشخصية وقيمته الذاتية، فيقوم بنقلها بالكامل إلى فريقه ليعيش أمجاداً وهمية.
الفوز لديه ليس متعة، بل هو تأكيد علوي على فوقيته الشخصية، ولذلك تتحول الهزيمة في عقله الباطن من خسارة مباراة إلى «تهديد وجودي» يمس كرامته، مما يفجر لديه الاضطراب الانفجاري المتقطع (IED) الذي يترجمه المجتمع في شكل نوبات غضب عارمة، واعتداءات لفظية طائشة. يضاف إلى ذلك ارتهان هؤلاء للإدمان السلوكي الحاد؛ حيث يصبح المشجع مدمناً على تقلبات كيميائية عنيفة داخل دماغه، يغذيها تدفق الدوبامين عند الفوز، وانفجار الكورتيزول والأدرينالين عند الخسارة.
هذا التأرجح الكيميائي يصيب المتعصب بحالة من الكدر الوجداني (Dysphoria)، وهي حالة من الحزن المرضي والانعزال والعدائية الموجهة ضد كل من يختلف معه.
المأزق الأكبر يتجلى عندما تنتقل هذه الاعتلالات السلوكية من بيئة الأندية المحلية لتلتهم جسد المنتخب الوطني. وهنا تحديداً يسقط القناع الثقافي والإعلامي ليتحول الشعار الوطني من مظلة جامعة إلى ساحة لتصفية حسابات ضيقة يمارس فيها المتعصبون آلية الشيطنة والإسقاط.
لقد رأينا مؤخراً جهوداً حثيثة من بعض البرامج الرياضية الواعية التي حاولت جاهدة التخفيف من حدة الاحتقان وتصدير خطاب عقلاني متزن تزامناً مع مشاركة الأخضر في كأس العالم 2026 بالولايات المتحدة.
إلا أن صدمة النتائج السلبية، والتراجع الفني المخيب الذي انتهى بخروجنا من دور المجموعات بنقطتين يتيمتين ودون أي انتصار، فجّرت مخزوناً من الغضب الجماهيري العارم الذي تم توجيهه بذكاء خبيث من قِبل إعلام الألوان.
إن تراجع الأداء الفني لبعض نجوم المنتخب -وعلى رأسهم قائد الفريق سالم الدوسري- هو أمر واقع وقابل للنقد الفني الصارم والبناء، فالنجوم الكبار يتحمّلون مسؤولية حضورهم.
لكن إعلاميي الانتماءات الضيقة، ممن سيطر عليهم لون النادي قبل شعار الوطن، لم يمارسوا نقداً، بل مارسوا عدوانية موجهة (Displaced Aggression)؛ حيث ارتدوا عباءة الغيرة على الوطن ليصفّوا حسابات محليّة قديمة.
لقد حولوا التراجع الفني للدوسري إلى محاكمة لتاريخه، واستغلوا الخروج المونديالي للنيل من رئيس الاتحاد السعودي لكرة القدم وتدمير المكتسبات، ليس رغبة في الإصلاح، بل بحثاً عن انتصار وهمي لتوجهات أنديتهم على حساب المصلحة العامة. إنها انتهازية إعلامية تقتات على انكسار الوطن لتغذي الدوبامين في عقول جماهيرها المتعصبة.
إن علاج هذه الأزمة السلوكية والإعلامية المتفاقمة لا يمكن أن يتم بعبارات الوعظ الإنشائية، بل يتطلب «مشرط جراح» من خلال مسارين حاسمين:
أولاً: مسار العلاج السلوكي والمجتمعي (الفطام النفسي):
يجب أن تبدأ المؤسسات التعليمية والإعلامية في تفكيك «الهوية البديلة» للمشجع، وصناعة حملات توعية نفسية متخصصة تُعلم الأجيال كيفية فصل التقدير الذاتي عن نتائج الملاعب.
نحتاج إلى برامج إرشادية في الأندية والجامعات تشرح بوضوح خطورة الإدمان السلوكي الرياضي، وكيفية التعامل مع «الكدر الوجداني» بعد الهزائم كظاهرة عابرة لا مأساة وجودية.
ثانياً: مسار الردع والتنظيم المؤسسي (العلاج الحازم):
لا بد من تفعيل ميثاق شرف إعلامي صارم وعقوبات قانونية رادعة تطبقها وزارة الإعلام والجهات المسؤولة ضد كل إعلامي أو منصة يثبت تبنيها لخطاب فئوي يمزق النسيج الرياضي الوطني في أوقات استحقاقات المنتخب.
وفي المقابل، على الاتحاد السعودي لكرة القدم أن يغلق هذا الباب تماماً عبر انتهاج الشفافية المطلقة والشجاعة في تشخيص الخلل الإداري والفني، وتقديم كشف حساب علني للشارع الرياضي يقطع الطريق على المتكسبين والمصطادين في الماء العكر.
الرياضة في جوهرها وُجدت لتكون متعة، وصحة نفسية، ومجالاً لتعزيز اللحمة الوطنية. والمنتخب الوطني خط أحمر لا يجب أن يُترك لقمة سائغة في أفواه المتأزمين نفسياً، ممن يرون في انكسار الوطن فرصة لتسجيل هدف في مرمى المنافس التقليدي.
حان الوقت لتعود للأخضر هيبته، وللإعلام رزانته، وللمتعصبين مصحاتهم!.