جانبي فروقة
تخيّل أنك تقف على أعتاب الحياة، لكنك لم تُولد بعد ولا تعرف إن كنت ستفتح عينيك في قصرٍ أم في بيتٍ متواضع، في دولةٍ غنية أم في بلدٍ فقير، سليمًا أم من ذوي الإعاقة أو حتى رجلًا أم امرأة، وقبل أن تُولد طُلب منك أن تضع القوانين التي ستحكم العالم كله فكيف ستصممها؟ هل ستمنح الامتيازات لفئةٍ بعينها أم ستجعلها عادلة بما يكفي لتحمي الجميع؛ لأنك ببساطة لا تعرف أيَّ مكان سيكون من نصيبك؟
هذا هو السؤال الذي طرحه الفيلسوف الأمريكي جون رولز في كتابه الشهير «نظرية في العدالة» عام 1971، فيما سمَّاه «حجاب الجهل» كان يؤمن بأن الإنسان إذا جُرّد من معرفة موقعه المستقبلي في المجتمع فسوف يختار نظامًا يضمن العدالة وتكافؤ الفرص للجميع، لا لأنه أكثر مثالية بل لأنه قد يكون هو نفسه من يحتاج إلى تلك العدالة.
وبعد أكثر من نصف قرن تقترب البشرية من امتلاك أداة قد تجعل جزءًا من هذا التصور ممكنًا إنها الذكاء الاصطناعي والسؤال لم يعد: هل ستصبح الآلة أذكى من الإنسان؟ بل أصبح هل تستطيع الخوارزميات أن تساعد الإنسان على اتخاذ قرارات أكثر عدلًا وإنصافًا مما اعتاد أن يتخذه بنفسه؟ لعقودٍ كان همّ التكنولوجيا واحداً وهو أن تنجز أكثر وبشكل أسرع وبتكلفة أقل وقد ربحنا الوقت بالفعل فصرنا نطلب الطعام بضغطة زر ونستدعي سيارة في دقائق، لكن هذه الكفاءة ظلّت محايدة أخلاقياً تخدم من يملك أصلاً أدواتها والتحوّل الذي نعيشه اليوم أعمق من ذلك فهو انتقالٌ من خوارزميةٍ تسأل «كيف أُنجز العمل بشكل أرخص؟» إلى خوارزميةٍ تسأل «كيف أمنح من لا يملك فرصةً عادلة؟» هذا هو الفارق بين الكفاءة والعدالة الذكية.
إن العدالة الذكية ليست أن تحكمك الخوارزميات بل أن تساعدك على اتخاذ قرارٍ أقل تأثراً بالمحسوبية والتحيّز والمكانة، فعلى سبيل المثال لا الحصر هي تعني أن يحصل طفلٌ في قريةٍ نائية على شرحٍ يضاهي ما يتلقاه طالبٌ في أرقى مدارس العالم، وأن يصل مريضٌ في منطقةٍ فقيرة إلى تشخيصٍ دقيق، وأن يملك صاحب متجرٍ صغير أدوات تحليلٍ كانت بالأمس حكراً على الشركات العملاقة، فجوهر العدالة الذكية واحد وهو تكافؤ الوصول إلى المعرفة والفرصة، والتعليم هو أول الميادين فقد كان التعليم تاريخياً أكبر مصنعٍ لإعادة إنتاج اللامساواة، فمن يملك المال يحصل على تعليمٍ أفضل فوظيفةٍ أفضل، واليوم تدور الحلقة والمفارقة أن ما كان بالأمس امتيازاً أضحى اليوم متاحاً، تأمّل المفارقة فدرسٌ خصوصيٌّ من معلّمٍ بارع كان حتى الأمس امتيازاً لأبناء الأثرياء وحدهم، واليوم يستطيع مساعدٌ ذكي أن يلعب هذا الدور لكل طالب بأن يشرح بلغته ويعيد الدرس عشر مراتٍ دون ملل أو إحراج ويكيّف المحتوى مع مستواه، ولهذا اعتمدت اليونسكو في 23 نوفمبر 2021 أول معيارٍ عالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي أقرّته الدول الأعضاء الـ193 بالإجماع وجعلت الوصول العادل إلى هذه التقنيات شرطاً للتنمية المستدامة وتقليص الفجوات التعليمية، وللمرة الأولى في التاريخ قد يصبح مكان ميلادك أقل تأثيراً في فرص تعلّمك ولا بد أن تطرق العدالة أيضاً باباً أوسع وهو الاقتصاد، فحين تنخفض تكلفة المعرفة تنخفض معها تكلفة المنافسة وصاحب المشروع الناشئ صار يحلّل سوقه ويصمّم منتجه ويدير مخزونه ويكتب عقوده بأدواتٍ كانت بالأمس تتطلب فريقاً كاملاً من الخبراء والمحللين، والميزة التي احتكرتها الشركات العملاقة لأنها وحدها تملك البيانات صارت في متناول متجرٍ صغير وحجم الرهان ضخم حيث تقدّر شركة PwC في تقريرها «حجم الجائزة» (Sizing the Prize) أن الذكاء الاصطناعي سيرفع الناتج العالمي بنسبة 14 % ليضيف نحو 15.7 تريليون دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول 2030 أي ناتجاً أكبر من ناتج ألمانيا واليابان والهند مجتمعين اليوم, لكن السؤال الحقيقي ليس حجم الكعكة بل من سيجلس إلى المائدة ؟ والسؤال الذي يصعد للسطح الآن هل تُنصف الدولَ كما تُنصف الأفراد؟ وهنا الفكرة الأكثر إثارة فقد وسّعت الثورة الصناعية الفجوة بين الشمال والجنوب واستأثرت الثورة الرقمية بمن يملك البنية والجامعات ورؤوس الأموال، أما الذكاء الاصطناي فقد يمنح الدول النامية فرصة القفز على مراحل كما قفزت دولٌ من غياب الهاتف الأرضي مباشرةً إلى الخدمات المالية عبر الجوال، فمثلاً دولة مثل إستونيا استطاعت أن ترقمن 99 % من خدماتها الحكومية فوفّرت ما يعادل 2 % من ناتجها المحلي سنوياً عبر منظومة «X-Road « وفي أفريقيا، لم يعد الذكاء الاصطناعي ترفًا تقنيًا بل أصبح شريكًا للمزارع في الحقل فبمجرد تصوير ورقة النبات بالهاتف يستطيع تطبيق (Plant Village Nuru) نورو تشخيص أمراض المحاصيل بدقة بلغت 65 % مقارنةً بـ18–31 % فقط لدى المزارعين أنفسهم، وبحلول عام 2024 كان التطبيق قد وصل إلى نحو 50 ألف مزارع في كينيا ليبرهن أن هاتفًا ذكيًا قد يكون أحيانًا أكثر أثرًا من سنواتٍ من الخبرة التقليدية، ولكن هناك مفارقة أخرى لا بد أن تؤخذ بالحسبان وهي أن مرآة الذكاء الاصطناعي قد لا ترصد الجميع فالأداة نفسها التي تَعِد بالإنصاف قد تكرّس الظلم بهدوءٍ أشد، حين فحصت الباحثة جوي بولامويني من مختبر الإعلام في MIT أنظمة التعرف على الوجوه عام 2018 وجدت أن نسبة الخطأ مع النساء داكنات البشرة بلغت 34.7 % بينما لم تتجاوز 0.8 % مع الرجال فاتحي البشرة، فالآلة لم تكن شريرة بل كانت فقط تعكس بياناتٍ مُنحازة غُذّيت بها ولعلّ أكثر ما يلفت الانتباه اليوم أن السباق في الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على المهندسين وعلماء الحاسوب، فمع تصاعد مشكلة «الهلوسة» واتخاذ النماذج قرارات معقّدة بدأت شركات كبرى مثل OpenAI وGoogle DeepMind وAnthropic بالاستعانة بفلاسفة ومتخصصين في نظرية المعرفة والأخلاق للمساهمة في تصميم نماذج أكثر قدرة على الاعتراف بحدود معرفتها واكتشاف التناقضات، والموازنة بين البدائل قبل إصدار الأحكام، إنها إشارة واضحة إلى أن التحدي لم يعد بناء آلة تعرف أكثر بل بناء آلة تفكر بحكمة أكبر؛ وهو ما دفع مجلة The Economist إلى وصف الفلسفة بأنها أصبحت جزءًا من البنية الأساسية للجيل القادم من الذكاء الاصطناعي، كما أن هناك مفارقة سلبية أخرى بدأت تتسلل في حياتنا اليومية فخلال العقود الماضية نجحت التكنولوجيا في جعل حياتنا أسهل وأسرع وأكثر راحة، لكن الخسارة لم تكن في الوقت أو الجهد بل في خسارة التجربة نفسها، وكما يوضح إيان بوغوست Ian Bogost في كتابه « الأشياء الصغيرة: كيف تعيش حياة أكثر إشباعًا « The Small Stuff: How to Lead a More Gratifying Life « فإن التكنولوجيا منحتنااحة غير مسبوقة لكنها أبعدتنا تدريجيًا عن الاحتكاك المباشر بالعالم المادي، فلم نعد نعيش تفاصيل الأشياء بل نستهلك نتائجها وأصبحنا نطلب بدل أن نختار، ونضغط بدل أن نجرّب ونمرّ بالحياة من دون أن نلمسها، ومع كل خطوة نحو الأتمتة نخاطر بفقدان ذلك البعد الإنساني الهادئ الذي يمنح التجارب اليومية معناها وعمقها، وبمعنى آخر ربما أراد بوغوست أن يخبرنا لم تسلبنا التكنولوجيا عناء العمل فحسب بل سلبتنا أيضًا متعة التجربة نفسها، ذلك الاحتكاك اليومي بالعالم الذي يمنح الأشياء قيمتها ويمنح الحياة معناها.
طرح عالِم الذكاء الاصطناعي ستيوارت راسل في كتابه «متوافق مع الإنسان: الذكاء الاصطناعي وإشكالية السيطرة» «Human Compatible: Artificial Intelligence and the Problem of Control» السؤال الذي يجب أن يقضّ مضاجعنا وهو أن المشكلة ليست في ذكاء الآلة بل في الهدف الذي نمنحه إياها، فإن أعطيت آلةً أذكى منك هدفاً خاطئاً فأنت تخوض ضدها مباراة شطرنجٍ خاسرة فهل نحن نبني خوارزمياتٍ عادلة أم نُلبس تحيّزاتنا القديمة رداءً رياضياً يبدو محايداً؟ وربما نحن أمام عقدٌ اجتماعي جديد وربما يحتاج سؤال رولز إلى إعادة صياغة لأنه لم يعد يكفي أن نسأل: «كيف نبني مجتمعاً عادلاً؟» بل صار علينا أن نسأل: «كيف نصمّم خوارزميةً عادلة؟» فالقرارات التي كانت تُتخذ داخل المكاتب ستتخذها نماذجُ صامتة ولا معنى للحديث عن العدالة الذكية دون شفافيةٍ وحوكمةٍ وحمايةٍ للخصوصية ودون أن يصل العون إلى الجميع لا إلى قلةٍ تحتكره مهما بلغت دقة الآلة فإنها لا تحلّ محل الضمير، فنحن لسنا عقولاً تعالج البيانات فحسب بل بشرٌ يحيون بالحواس والعلاقات والتجربة، وإن فقدت التكنولوجيا إنسانيتها فلن تصنع عدلاً مهما دقّت حساباتها، أما إن وُجّهت لهدم الحواجز أمام التعليم والصحة والعمل ولتقليص المسافة بين المدينة والريف وبين المتقدّم والنامي فقد تصبح أعظم أداةٍ عرفتها البشرية للإنصاف منذ نشأة الدولة الحديثة والعدالة تبدأ من الإنسان.
** **
- كاتب أمريكي