د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
حين يُذكر العلماء الذين أسهموا في ترسيخ العلم الشرعي ونشره وتعليمه في المملكة العربية السعودية والعالم الإسلامي، يبرز اسم سماحة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان بوصفه واحدًا من أبرز العلماء الذين جمعوا بين رسوخ العلم وثبات المنهج ووضوح العبارة وحسن البيان، حتى غدا اسمه حاضرًا في مجالس العلم، وفتاواه مرجعًا لكثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
فقد امتدت رحلة الشيخ العلمية لعقود طويلة قضاها في التعليم والتأليف والإفتاء، فكان خلالها مثالًا للعالم الذي حمل العلم بأمانة، وبذله للناس بإخلاص، وربط بين التأصيل الشرعي ومتطلبات الواقع، دون أن يتنازل عن ثوابت الشريعة وأصولها الراسخة. ولعل من أبرز ما يميز شخصية الشيخ الفوزان وضوح منهجه العلمي، واعتماده على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، مع عناية ظاهرة بالتأصيل والاستدلال وربط المسائل بأدلتها وقواعدها الشرعية. ولذلك وجد طلاب العلم في دروسه ومؤلفاته وشروحه العلمية مادة علمية رصينة تجمع بين العمق والوضوح، وبين الدقة وسهولة العبارة. ولم يكن الشيخ حبيس قاعات الدرس أو صفحات الكتب، بل ظل حاضرًا في قضايا المجتمع ومستجداته، يجيب عن أسئلة الناس، ويعالج النوازل، ويوجه الشباب، ويؤكد أهمية الوسطية والاعتدال، ويحذِّر من الغلو والانحراف الفكري، مبينًا أن الشريعة جاءت لتحقيق مصالح العباد وصيانة المجتمعات وحفظ الدين والنفس والعقل والمال والعرض.
كما أسهم سماحته في إثراء المكتبة الإسلامية بمؤلفات نافعة في العقيدة والفقه وأصول الفقه والحديث والآداب الشرعية، وأصبحت هذه المؤلفات مراجع علمية يعتمد عليها طلاب العلم والباحثون في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، لما اتسمت به من منهجية واضحة وتأصيل علمي متين.
وإذا كانت الأمم تُعرف برجالها وعلمائها، فإن المملكة العربية السعودية حظيت عبر تاريخها الحديث بكوكبة من العلماء الذين حملوا رسالة العلم والإفتاء، وأسهموا في بناء الثقة بين المجتمع والمؤسسات العلمية، وكان الشيخ صالح الفوزان واحدًا من أبرز هؤلاء الأعلام الذين جمعوا بين العلم والتعليم والدعوة والإفتاء وخدمة المجتمع.
وفي عصر التحولات الرقمية والتطور التقني المتسارع، لم تعد الفتوى حبيسة الكتب أو المجالس العلمية التقليدية، بل أصبحت تصل إلى المستفيد في أي مكان من العالم عبر المنصات الرقمية والتطبيقات الذكية والخدمات الإلكترونية الحديثة. وقد نجحت المملكة في استثمار هذه الوسائل وتسخيرها لخدمة العلم الشرعي وإيصال الفتوى الموثوقة إلى الناس بسهولة ويسر. وفي هذا الإطار يبرز الحراك التقني المتميز الذي تقوده الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، من خلال تطوير المنصات الرقمية والخدمات الإلكترونية وإتاحة الوصول إلى الفتاوى والبحوث الشرعية عبر وسائل حديثة ومتنوعة، بما يواكب مستهدفات التحول الرقمي ويعزز حضور المؤسسات العلمية في الفضاء الرقمي.
لقد أدركت المؤسسات الإفتائية في المملكة أن المحافظة على أصالة المنهج لا تتعارض مع الاستفادة من أدوات العصر، وأن التقنية ليست بديلًا عن العلماء، وإنما وسيلة لنقل العلم وتقريب الفتوى الموثوقة إلى الناس أينما كانوا، وهو ما أسهم في تعزيز الثقة بالمصادر الرسمية للإفتاء، والحد من الفوضى المعرفية والفتاوى غير المنضبطة التي أتاحتها بعض المنصات المفتوحة.
ومن يتأمل هذا المشهد يدرك أن نجاح المؤسسات الإفتائية في مواكبة العصر إنما يستند إلى إرث علمي راسخ بناه علماء كبار حملوا مسؤولية البيان والتعليم والإفتاء لعقود طويلة، وكان الشيخ صالح الفوزان أحد أبرز رموز هذا الإرث العلمي الذي لا تزال آثاره ممتدة في الدروس والفتاوى والمؤلفات والأجيال التي تربت على يديه.
ومما أعتز به شخصيًا وأتشرف بذكره أنني تشرَّفت بالتقديم لسماحة الشيخ في عدد من اللقاءات العلمية التي ألقاها في المعهد العلمي بمدينة الرياض، وكانت تلك اللقاءات فرصة للوقوف عن قرب على جانب مهم من شخصية الشيخ العلمية والتربوية والإنسانية. فقد لمست فيه حرصًا كبيرًا على طلاب العلم، وعناية صادقة بأسئلتهم واستفساراتهم، وسعة صدر في الاستماع والحوار، ولين جانب في التعامل معهم، فلم يكن يضيق بسؤال، ولا يتبرم من استفسار، بل كان يستقبل الطلاب ببشاشة العالم المربي، ويجيبهم بعلم راسخ وعبارة واضحة وخلق كريم، حتى يشعر السائل أن سؤاله محل عناية واهتمام مهما بدا بسيطًا أو متكررًا. وقد كان لهذا الخلق الرفيع أثر بالغ في نفوس الحاضرين، إذ إن الناس قد يعجبون بعلم العالم، لكنهم يزدادون تعلقًا به عندما يرون تواضعه وحسن خلقه وقربه من الناس. وهذه الصفات كانت حاضرة في شخصية الشيخ، فاجتمع له رسوخ العلم وحكمة المربي ووقار العالم وتواضع المؤمن.
إن الأمم تفخر بعلمائها، والعلماء الصادقون هم حراس الهوية وورثة الأنبياء وحملة رسالة البيان، وقد كان الشيخ صالح الفوزان واحدًا من هذه النماذج المضيئة التي أسهمت في نشر العلم الشرعي وترسيخ منهج الاعتدال والوسطية وربط الناس بمصادر العلم الموثوقة.
حفظ الله الشيخ صالح الفوزان، وبارك في علمه وعمله، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء، ونفع بعلمه الأجيال المتعاقبة، وأدام على هذه البلاد المباركة نعمة العلم والعلماء، لتبقى منارة للوسطية والاعتدال، وحصنًا للعلم الشرعي الرصين في عالم تتسارع فيه المتغيرات وتتجدد فيه التحديات.