د.عبدالله الفايز
ما يحدث في الشرق الأوسط ليس مجرد صراع تقليدي بين دول، بل هو إعادة تشكيل ممنهجة لموازين القوى وفق منطق الهيمنة الذكية (Smart Hegemony)، حيث لا تُدار المنطقة عبر احتلال مباشر، بل من خلال توظيف قوى إقليمية متعارضة ظاهريًا، لكنها تؤدي أدوارًا متكاملة في إعادة تفكيك البنية العربية.
منذ التحولات الكبرى التي أعقبت صعود الخميني في إيران، بدأت مرحلة جديدة من إدارة التوازنات في المنطقة، حيث لم يعد الصراع قائمًا على المواجهة المباشرة، بل على إدارة الفوضى المنظمة. في هذا السياق، تحولت إيران إلى لاعب محوري يخدم أمريكا في إضعاف البنية الإقليمية العربية عبر أدوات أيديولوجية وسياسية، استندت إلى استثمار الانقسامات المذهبية وتعميقها.
في المقابل، تمثل إسرائيل القطب الآخر في هذا التوازن، حيث تُستخدم كقوة ضغط عسكري وإستراتيجي لضبط حدود التمدد الإقليمي، ومنع أي طرف من تحقيق هيمنة كاملة.
وبين هذين القطبين، تتحرك الولايات المتحدة الأمريكية كمدير غير مباشر للمشهد، لا بهدف الحسم، بل لضمان استمرار حالة اللا استقرار المُدار التي تُبقي جميع الأطراف في حالة استنزاف دائم. على أن هناك اتفاقا أن يستغل الخميني الشيعة كمبدأ ويتظاهر بدولة إسلامية هو بعيد عن الإسلام، بل يمنع المسلمين من الصلاة في مساجد إيران.
ولا غرابة فهو ينتمي إلى ديانة أخرى غير إسلامية. ولكن الاتفاق كان على أن تضعضع إيران، دول شبه الجزيرة عن طريق إضعافهم وتفرقتهم دينيا.
وبعدها ستسمح أمريكا لإيران أن تتوسع لتأخذ جزءا من سوريا والعراق والبقية لإسرائيل.. وتترك بقية سوريا لتتقاسمها إسرائيل وتركيا، التي تلعب دور المتغافل عن الموضوع ولها أطماعها التوسعية للأراضي العربية.
ولكن وعدت بدول خارج منطقة الصراع الإيراني الإسرائيلي، لتتوجه إلى ليبيا وإفريقيا.
ضمن هذا الإطار، يمكن فهم العديد من الأحداث الإقليمية -من العراق إلى سوريا- ليس كصراعات منفصلة، بل كساحات تنفيذ لسياسة أوسع تقوم على تفكيك القوى المركزية وإعادة توزيع النفوذ.
هذه العملية لا تستهدف فقط السيطرة على الموارد، بل تهدف إلى إعادة تشكيل البيئة الإستراتيجية بحيث تصبح الدول العربية أقل قدرة على الفعل وأكثر اعتمادًا على التوازنات الخارجية.
وقامت أمريكا بصناعة المنظمات الإرهابية مثل حزب الله والحوثيين وداعش وغيرها عن طريق وسيطها إيران. وعندما أنهوا مهمتهم قامت أمريكا بتصفيتهم. فأمريكا تصنع وأمريكا تأخذ.
هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«مسرحية الفاهم الذي لا يفهم»، حيث تدرك بعض الأطراف العربية وجود مخاطر، لكنها تفشل في قراءة بنيتها الحقيقية. فهي ترى الصراع كتنافس بين قوى متعارضة، بينما هو في جوهره نظام تفاعلي مغلق يعيد إنتاج نفسه:
إيران تضعف، إسرائيل توازن، والولايات المتحدة تدير الإيقاع.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه المعادلة بحد ذاتها، بل في غياب استجابة عربية قائمة على الحسم المؤسسي.
فالدول التي لا تمتلك قدرة على إعادة ضبط مؤسساتها، وتوحيد رؤيتها الإستراتيجية، وتفعيل أدواتها التنفيذية، ستظل جزءًا من هذا المسرح -ليس كلاعب، بل كمساحة تُدار عليها الصراعات. وفق هذا المنظور، لا يمكن تفسير التهديدات المستقبلية بشكل خطي.
فهزيمة أي طرف لا تعني استقرارًا، بل إعادة توزيع للأدوار. فإذا تراجع النفوذ الإيراني، قد يتعزز الدور الإسرائيلي بشكل مباشر. وإذا تمدد النفوذ الإيراني، فإن ذلك سيأتي على حساب عمق الدول العربية ومواردها.
وفي كلا الحالتين، تبقى النتيجة واحدة: استمرار حالة الاستنزاف.
لعبت إيران دورها وأضعفت وفرقت. فقامت أمريكا بإهدائها العراق. ولكن إيران طمعت في أكثر من ذلك.
وهناك ثارت ثائرة إسرائيل ورأت أن إيران تطالب بالقدس، وهنا توقفت الاتفاقية.
فإسرائيل ترى أن المنطقة ضعفت بما فيه الكفاية وأخذت غزة والضفة. ولكنها ترى أن هناك قوى أخرى بدأت تظهر مثل الصين والهند، وأن أمريكا ستضعف كحليفها ومساندها.
وترى أنها لابد أن تنهي مخططها من النيل إلى الفرات وبسرعة قبل فوات الفرصة. ورأت إسرائيل وباستشارة أمريكا أن تقلم أظافر إيران وأن توقفها عند حدودها.
فوقفت أمريكا حائرة، هل توقف إيران عند حدودها وهي لم تنه المطلوب منها لإضعاف العرب وتفرقتهم والذي هو المطلب الرئيس لأمريكا لوضع قدم في المنطقة. وقفت أمريكا حائرة بين عميليها المدللين.
فاستغلت إسرائيل الوضع وسحبت أمريكا إلى حرب مع إيران لكف يدها ودخلت أمريكا وهي مترددة لأنها لا تود أن تقضي على عميلها القوي والذي بثته أمريكا أيام الشاه، لتفزع العرب.
وترى أن القضاء على إيران سيسبب فراغا في صراع القوى وتهديدي في المنطقة. وبدأت مسرحية النووي والتي هي مضيعة للوقت واستمرت منذ سنوات كلعبة خبيثة مثل ما فعلته باتهام العراق بالكيميائي.
ولإعطاء إيران فرصة لتصنيع صواريخ أكثر حيث انتهى مخزونها. والشاهد هو ادعاء إيران بأنها تضرب الدول التي تتعاون مع أمريكا، بينما إيران هي أكثر من يتعامل مع أمريكا وتزويدها بصواريخ لحرب العراق ومؤامرة الكونترا وأفغانستان وشبكة المخدرات.
وخدمت إسرائيل بتمويل حماس لمحاربة إسرائيل ولإعطاء إسرائيل وازعا لتصفية الفلسطينيين واحتلال غزة والضفة.
وهي لا تهمها غزة أو القدس. ومن متى وإيران تحب العرب؟
ومع تصاعد هذا الدور، برزت حالة من التنافس الإقليمي الحاد، خاصة مع إسرائيل، التي ترى في تمدد النفوذ الإيراني تهديدًا مباشرًا لتوازن القوى في المنطقة.
وقد انعكس هذا التنافس في عدد من الساحات، مثل العراق وسوريا، حيث أصبحت هذه الدول مسارح لتقاطع المصالح والصراعات غير المباشرة.
في المقابل، وجدت الدول العربية، خصوصًا في شبه الجزيرة العربية، نفسها في موقع معقد بين هذه القوى المتنافسة. فمن جهة، يمثل صعود النفوذ الإيراني تحديًا مباشرًا للأمن الإقليمي، ومن جهة أخرى، تثير التحركات الإسرائيلية مخاوف إستراتيجية لا تقل أهمية.
هذا الوضع أوجد حالة من عدم اليقين الإستراتيجي، حيث تبدو الخيارات محدودة والتحديات متشابكة.
إن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في الصراع بين القوى الكبرى، بل في كيفية تفاعل دول المنطقة مع هذه التحولات.
فضعف التنسيق، وتباين الرؤى، والانقسامات الداخلية، كلها عوامل ساهمت في تعقيد المشهد، وأضعفت القدرة على بناء موقف إقليمي موحد قادر على حماية المصالح المشتركة.
كما أن السيناريوهات المستقبلية تظل مفتوحة على احتمالات متعددة؛ ففي حال تصاعد الصراع الإقليمي، قد تتجه المنطقة نحو مزيد من الاستقطاب وعدم الاستقرار.
أما في حال التهدئة، فقد نشهد إعادة تشكيل للتوازنات وفق ترتيبات جديدة تعيد توزيع النفوذ بين القوى المختلفة.
في ضوء ذلك، تبرز الحاجة إلى قراءة إستراتيجية أعمق للمشهد، تقوم على فهم المصالح الحقيقية للقوى الدولية والإقليمية، وتبني سياسات قائمة على التكامل الإقليمي، وتعزيز الجاهزية المؤسسية، بما يمكّن الدول العربية من الانتقال من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل والتأثير.
إن الخروج من هذا الإطار لا يتحقق عبر الاصطفاف مع طرف ضد آخر، بل عبر كسر منطق المسرحية نفسها.
وهذا يتطلب انتقالًا جذريًا من رد الفعل إلى الفعل، ومن التشتت إلى التكامل، ومن الهشاشة المؤسسية إلى الحسم المؤسسي القادر على إعادة تشكيل الواقع. في النهاية، السؤال الحقيقي ليس: من سينتصر؟
بل: هل ستبقى المنطقة ساحة تُدار، أم تتحول إلى فاعل يعيد صياغة قواعد اللعبة؟