حذامي محجوب
ليس كل قصص الحب والغرام حكايات خاصة تنتهي عند حدود قلبين عاشقين. بعض هذه الحكايات يتجاوز أصحابه ليصبح جزءًا من ذاكرة الشعوب، تتحول فيه القصيدة إلى جواز سفر بين الأوطان، والأغنية إلى سفير للمحبة، والحبيبة إلى رمز لوطن بأكمله.
هكذا كانت قصة الممثل السعودي لطفي زيني والإعلامية التونسية قمر بالقاضي، قصة لم تجمع بين رجل وامرأة فحسب، بل جمعت بين ضفتي العالم العربي، وقدَّمت نموذجاً بديعاً لما نطلق عليه اليوم اسم «الدبلوماسية الثقافية» قبل أن يدخل هذا المصطلح إلى أدبيات السياسة والعلاقات الدولية. فالثقافة، في جوهرها العميق، ليست مجرد كتب تُقرأ، أو متاحف تُزار، أو مهرجانات تُقام، بل هي أيضاً مشاعر تعبر الحدود دون تأشيرات، وقصائد تحفظ أسماء المدن في الوجدان، وأغان تجعل وطناً بأكمله أقرب إلى القلب.
ومن بين أجمل الحكايات التي تؤكد هذه الحقيقة، تلك التي بدأت في أروقة الإذاعة التونسية وانتهت بأن أصبحت تونس حاضرة في ذاكرة ملايين العرب عبر أغنية خالدة.
في ستينيات القرن الماضي، كانت تونس تعيش أوج إشعاعها الثقافي.
وكانت الإذاعة التونسية واحدة من أهم المنابر الإعلامية العربية، تستقطب المبدعين والمثقفين والفنانين من مختلف الأقطار.
وفي تلك الأجواء المفعمة بالإبداع، التقى الفنان السعودي لطفي زيني بالمذيعة التونسية قمر بالقاضي.
لم يكن لقاء عابراً، بل كان بداية حكاية ستخرج من حدود الحياة الخاصة لتدخل تاريخ الأغنية العربية.
وقع لطفي زيني في حب قمر منذ اللحظة الأولى. لكنه، ككل الفنانين الكبار، لم يختر الرسائل الخفية ولا الكلمات العابرة، بل اختار الطريق الذي لا يجيده سواه: أن يحوِّل الحب إلى قصيدة. كتب كلمات تنبض بالشوق والإعجاب، ثم حملها الصوت الذهبي للفنان السعودي الكبير طلال مداح، لتولد أغنية أصبحت إحدى العلامات المضيئة في الغناء العربي، مفتتحة بندائها الساحر:
«يا قمر تونس...».
لم يكن ذلك النداء مجرد استعارة شعرية جميلة، بل كان إعلاناً صريحاً عن عشق امرأة تونسية رآها فنان سعودي تجسيداً للجمال والدفء والضياء.
ويُروى أن قمر بالقاضي لم تكن تعلم في البداية أن الأغنية كتبت لها، حتى وجدت نفسها في الكلمات، ورأت اسمها يتردد في اللحن، فأدركت أن الشاعر لم يمنحها وعداً بالحب فقط، بل منحها خلوداً فنياً سيبقى حياً على ألسنة الأجيال.
وما يضفي على هذه الحكاية بعداً إنسانياً أكثر جمالاً أن الأغنية لم تكن خاتمتها، بل كانت بدايتها.
فقد تقدَّم لطفي زيني لخطبة قمر، وعاشا معاً حياة زوجية مستقرة امتدت سنوات طويلة، ورُزقا بأسرة كبيرة.
وظلت قمر تتحدث عنه بعد رحيله بكل وفاء ومحبة، مؤكدة أن الرجل الذي كتب لها أجمل الأغنيات لم يتوقف يوماً عن التعبير عن حبه بالكلمة الجميلة، وأن الشعر ظل لغة حياتهما حتى آخر العمر.
غير أن اختزال هذه القصة في بعدها العاطفي وحده يظلمها كثيراً.
فهي في حقيقتها قصة عن انتصار الثقافة العربية على المسافات والحدود. فالفنان سعودي، والمذيعة تونسية، والمطرب الذي حمل القصيدة إلى الناس سعودي، أما الجمهور فكان عربياً من المحيط إلى الخليج. وهكذا صنعت أغنية واحدة ما قد تعجز عن صنعه عشرات المؤتمرات، إذ جعلت ملايين العرب يرددون اسم تونس بمحبة، ويربطونه بالجمال والرقة والحنين.
إنها صورة مبكرة وملهمة لما نعرفه اليوم باسم «الدبلوماسية الثقافية»، تلك القوة الناعمة القادرة على بناء الجسور بين الشعوب، ليس عبر المصالح والحسابات السياسية، وإنما عبر الفن والأدب والموسيقى.
فحين يكتب فنان قصيدة في امرأة من بلد عربي آخر، فإنه لا يحتفي بها وحدها، بل يحتفي بثقافتها ولهجتها وبيئتها، ويمنح وطنها مكاناً دائماً في الذاكرة الجماعية.
ولعل هذا هو سر خلود الأعمال الفنية الصادقة، فهي لا تحفظ أسماء أصحابها فحسب، بل تحفظ أسماء المدن أيضاً.
وكما ارتبطت بيروت بقصائد الحب، والقاهرة بأغنيات العشاق، ودمشق بالشعر والوجد، بقيت تونس حاضرة في الوجدان العربي من خلال ذلك النداء الشفيف: «يا قمر تونس...».
لقد تحولت تونس، بفضل الفن، من مجرد نقطة على الخريطة إلى حالة وجدانية تسكن الذاكرة العربية.
وفي زمن تتصدر فيه أخبار الخلافات والانقسامات المشهد العربي، تبدو هذه القصة تذكيراً بليغاً بأن ما يجمع العرب أعمق بكثير مما يفرقهم. فالسياسة قد تتغيَّر حساباتها وتختلف مواقفها، أما الثقافة فتبقى قادرة على إعادة اكتشاف الإنسان في الإنسان، وصناعة روابط لا تفسدها الحدود ولا تبددها السنوات.
رحل لطفي زيني، وربما غاب الجيل الذي عاش تفاصيل تلك الحكاية، لكن ما بقي هو الدرس الأجمل: أن قصيدة صادقة تستطيع أن تصنع ذاكرة مشتركة بين شعبين، وأن أغنية واحدة قد تكون أبلغ أثراً من عشرات الخطب الرسمية.
فحين يلتقي الشعر بالحب، وتلتقي السعودية بتونس في كلمة ولحن، تصبح الثقافة وطناً أكبر يتسع للجميع.
ولعل أجمل ما تهديه لنا قصة لطفي زيني وقمر بالقاضي أنها تذكِّرنا بأن الحب، حين يكون صادقاً، لا يعيش في القلوب وحدها، بل يسكن القصائد، ويخلِّده اللحن، ويصبح جزءًا من تاريخ الشعوب.
وهكذا لم تكن «يا قمر تونس» مجرد أغنية جميلة، بل وثيقة وجدانية نادرة تؤكد أن أعظم الجسور بين الأمم قد تبدأ بكلمة شاعر، ونظرة مذيعة، وقلبين آمنا بأن الحب أيضاً قادر على صناعة التاريخ.