الهادي التليلي
الحديث عن التصريح الأخير لفرنسيس فوكوياما حول تلميحه لمستقبل ترامب السياسي ومستقبل الحزب الجمهوري الحاكم يعيدنا إلى لحظة ما بعد نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين، حيث أثار المفكر الأمريكي والياباني الأصل فرنسيس فوكوياما بمؤلفه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير» جدلاً حادًا في الأوساط الفكرية العالمية لاعتباره أن ما بعد سقوط الاشتراكية ستكون هيمنة متوحشة لليبرالية، سقوط جدار برلين تداعياته الايبستمولوجية كانت أعمق من حدوثه في الوقع، فنهاية عصر مزدوج العقل التسييري العالمي (اشتراكية وليبرالية) وبداية عصر آخر تكون فيه الليبرالية سيدة الموقف والعالم احادي التسيير ومن ثمة يكون عرضة لالتهام التوحش الليبرالي. فوكوياما الذي يعتبر فيلسوف الحزب الديمقراطي والعقل المفكر لمن يجلس على سدة الحكم من الديمقراطيين لا ينطق عن الهوى وإن نطق فمسارات عديدة تتحرك صوب ما ذهب إليه ولو عدنا بمسح بسيط لما صرح به يمكن أن نلخص ذلك في نقاط بسيطة في ظاهرها عميقة في باطنها أولها أن ترامب الذي برز في البداية كظاهرة انتخابية تحول إلى مشروع ليبرالي يعيد توازنات الولايات المتحدة من منطق التحالفات إلى الصفقات والاستقواء.
ثانياً، تحول ترامب من المدافع عن مصالح الدولة إلى المقاتل من أجل مصالحه الشخصية وهو تحريف للسلطة من أداة للحكم إلى نهج سلطوي لخدمة الفرد و نزواته حيث قال: «لا توجد عقيدة لترامب بل نزوات فقط».
ثالثاً إدارة العلاقات الخارجية وفق منطق المصالح الذاتية الضيقة بما في ذلك القرارات السيادية المؤثرة مثل العلاقة مع إيران والصين وغيرها وهذا يعني أن ترامب حسب رأيه قتل المؤسسة واستبد برأيه تحقيقا لمصالحه وهو ما يعني الايذان بموت المشروع الجمهوري واستبداله بالأنا المتسلطة وكأنه يتنبأ بهزيمة الجمهوريين في الاستحقاق الانتخابي القادم، ولعل قوله الحرفي «ترامب هو أكثر شيء مخيب للآمال حدث خلال العقود الأخيرة «
تصريح فوكوياما الذي يعد الأكثر تأثيرا لدى عموم المفكرين والسياسيين يترجم الفكر الديمقراطي الأكثر استماعا إليه لأنه دون فائض إيديولوجي ودون حسابات سياسية ضيقة فالرجل مكانته العلمية والمعرفية تحمله المسؤولية علما أنه في الزاوية الأخرى ونعني الجمهوريين ليس هناك من يوازيه معرفياً.
حتى أن ردود كل من بيل كريستول BILL KRISTOL وروبار كاغان ROBERT KAGAN وهما جمهوريا ن نيو محافظين إذا صحت العبارة شاطراه الرأي في ما يخص تعامل ترامب بمنطق ذاتي لا مؤسساتي لكنهما اعتبرا فوكوياما مشطا في تشاؤمه.
ولعل صهراب أحمري SOHRSB AHMARI كانت أكثر عقلانية في ردها حيث اعتبرت أن المشكلة في السياق الليبرالي نفسه لا في ترامب، وبالتالي الحديث عن الديمقراطية كمفهوم فيه تجنّ على مسائل مهمة جدا مثل الهوية والأسرة والدين داخل المجتمع الأمريكي، لأن المشكلة حسب ردها تكمن هناك طبعا فيلق الترامبيين حسب تسمية فوكوياما هاجمت فوكوياما دفاعا عن ترامب معتبرة إياه جاهلا بالقاعدة الشعبية للرجل ومتغاضيا على نجاحاته؟
رأي فوكوياما حاز على اتفاق الجمهوريين التقليديين وهذا أمر يقلق العرش الجمهوري حتى وإن كان اتفاقا جزئيا وحتى المحافظون الشعبويون اتخذوا موقف فوكوباما للهجوم على الليبرالية نفسها متجاوزين ترامب.
وفي الحقيقة، ما يلفت الإنتباه هو تدحرج الوعي بين لحظة سقوط جدار برلين ولحظة ما بعد الحرب الأمريكية على إيران أي الوقت الراهن حيث أنه في اللحظة الأولى تفتقت قريحة فوكوياما بمؤلف يسجل في الذاكرة والتاريخ «نهاية التاريخ والإنسان الأخير «هذا الطرح الذي زلزل عديد السواكن لم ينتظر طويلاً حتى جاءه الرد من أستاذه صمويل هنتنغتون بكتابه «صراع الحضارات»، حيث اعتبر أن ما بعد الحرب الباردة لن تكون المحركات للصراع بين قومية وغيرها وإنما هي تخضع لتحكم الثقافات وتنوعها وبالتالي سقوط جدار برلين أنهى كيان الاتحاد السوفياتي السابق ولم ينه الشيوعية.
الجدل الحاد الذي قام بين الرجلين وعكسه التأليف بقي المشهد الفكري يقتات من تفاصيله سنوات طويلة بعد نهاية الحرب الباردة، وكانت كل لحظة تاريخية منبهًا لاستذكار مدى صحة كل طرف منهما، وفي حقيقة الأمر ما سمح لانتشار أفكار الرجلين هو عمق الخلفية لكليهما والتي تجمع بين علم الاجتماع والفلسفة وما يقرب بين هذين المجالين والأنتروبولوجيا بشقيه الثقافوي والذي يمثله كلود ليفي شترواس وهيرسكوفيتش ومن لف لفهما والذي يعرف الحضارة بما هي تنوع ثقافي لا عنصري، وشق الأنتروبولوجيا الكلاسيكية لليفي بريل وغيره والتي ترى الثقافي محص.
ولكن الآن وبعد الحرب على إيران والتي كادت أن تحمل العالم إلى حرب عالمية ثالثة فوكوياما اكتفى ببعض التصريحات والردود كانت في غالبها شعبوية فأين نحن من سجال فوكوياما وهنتنغتون فكريا، أو كما يقول بعضهم المشهد الجيوسياسي الحالي لم يترك للفكر مكان.