عقيل وساف
شهدت الساحة السياسية والأمنية في منطقة الخليج تصعيداً مفاجئاً أعاد خلط الأوراق الدبلوماسية، واضعاً «مذكرة التفاهم» الموقعة مؤخراً بين واشنطن وطهران في مهب الريح. فبينما كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يحتفي بما اعتبره انتعاشاً اقتصادياً انعكس إيجاباً على شرايين خطوط إمداد الطاقة وأسعارها، جاء حادث إطلاق مقذوف على إحدى السفن المارة في مضيق هرمز ليعيد إشعال فتيل التوتر الإستراتيجي، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة التفاهمات الهشة على الصمود أمام التحديات الميدانية، وعما إذا كان «الخط الساخن» المحدث بين الأطراف قادراً على تفكيك الألغام السياسية قبل انفجارها.
فبالرغم من أن الحرس الثوري الإيراني لم يعلن رسمياً مسؤوليته عن استهداف السفينة الأخيرة قبالة السواحل العمانية، إلا أن مسؤولين أمريكيين سارعوا إلى توجيه أصابع الاتهام المباشرة إليه، مستندين إلى التهديدات السابقة التي أطلقها الحرس باتخاذ إجراءات صارمة ضد أي سفن تعبر المضيق دون التنسيق المسبق مع السلطات الإيرانية.
وتشير القراءات التحليلية إلى أن الحادث يمثل «رسالة مشفرة» تقع ضمن ما يُعرف في الأعراف العسكرية بـ «إرسال الإشارات في زمن الحرب». وهي رسالة كافية لتأكيد الوجود والنفوذ الإيراني، لكنها منضبطة لدرجة لا تدفع نحو دحرجة الأمور إلى حرب شاملة. ويأتي هذا التحرك الميداني بالتزامن مع تحذيرات الحرس الثوري من أي خطوات أحادية الجانب لفتح الممرات البحرية، مما يوضح رغبة طهران في التأكيد على أن مضيق هرمز لن يُفتح بسلام وبشكل مستدام إلا بحضورها والتنسيق الكامل معها.
وتتجاوز الأزمة الحالية مجرد حادث عابر لتمس جوهر الخلاف الجيوسياسي حول إدارة الملاحة البحرية. وتتجه التفسيرات إلى وجود مخاوف إيرانية من مساعٍ أمريكية تهدف إلى استغلال عامل الوقت لتعزيز الحشود العسكرية في شمال المحيط الهندي، وتأهيل الساحل الجنوبي لمضيق هرمز ليكون ممرًا آمناً تماماً. هذا التوجه تراه طهران محاولة لإفراغ ورقتها الإستراتيجية والأمنية الأقوى من محتواها، وجعل الجانب الشمالي الخاضع لسيطرتها هامشياً وميتاً في معادلة الملاحة الدولية.
وفي الجانب الآخر، برزت أزمة السيادة مع سلطنة عمان عقب التطورات الأخيرة وتصريحات الحرس الثوري التي منعت المرور من بعض الممرات البحرية الجنوبية. وأثارت هذه الخطوة انتقادات اعتبرتها اعتداءً على السيادة العمانية وحق السلطنة الخالص في إدارة مياهها الإقليمية، خاصة بعد أن رفضت مسقط الرغبات الإيرانية الهادفة لإشراك طهران في السيطرة على المضيق لإضفاء صبغة غير إيرانية مباشرة على عمليات التحكم، والتزام عمان بتفسير القانون الدولي الذي يضمن فتح المياه للسفن العادية والالتزام بحرية الملاحة.
ويرى مراقبون أن ما جرى يدخل في إطار الهدنة الهشة التي تلت توقيع مذكرة التفاهم، بسبب غياب التفعيل الحقيقي للقضايا الجوهرية المتفق عليها؛ وفي مقدمتها بند إزالة الحظر عن الأصول الإيرانية المجمدة التي كان يفترض تفعيلها فوراً. ومع وجود مهلة شهرين فقط للوصول إلى اتفاق نهائي وشامل، تظهر التفاهمات الحالية مفتقرة إلى عنصر الثقة المتبادلة بين واشنطن وطهران.
وفي سياق متصل، تعيش المنطقة حالة من السباق الدبلوماسي المحموم بين الولايات المتحدة وإيران على كسب ود دول مجلس التعاون الخليجي ومنعها من إعطاء امتيازات للطرف الآخر. وجاءت زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى المنطقة واجتماعه بوزراء خارجية دول مجلس التعاون ليصدرا بياناً مشتركاً أعاد تسليط الضوء على الهواجس الخليجية الجدية المشتركة. فرغم أن البيان لم يلغِ مذكرة التفاهم، إلا أنه وضع النقاط على الحروف بالتشديد على حرية الملاحة ووقف التهديدات الإيرانية، وربط أي شراكة اقتصادية مستقبلية بالتعامل الصارم مع ملفات الصواريخ البالستية، والمسيرات، وتمويل الأذرع الإقليمية.
وتكشف قراءة كواليس صناعة القرار في واشنطن عن وجود تباين نسبي في الرؤى داخل الإدارة الأمريكية نفسها تجاه كيفية إدارة الأزمة مع طهران. ويبرز هذا الاختلاف بين وزير الخارجية ماركو روبيو الذي يتبنى خطاباً أكثر تشدداً وتأكيداً على طمأنة الحلفاء، وبين نائب الرئيس دي جي فانس الذي يبدو أكثر ميلاً لاسترضاء إيران والدفع نحو إنجاز الاتفاق السياسي بأي ثمن لإنهاء ملف الحرب وتفرغه لمهام إستراتيجية أخرى.
هذا التباين الداخلي تحركه أيضاً حسابات سياسية مستقبلية معقدة تتعلق بوراثة النفوذ السياسي داخل التيار الحاكم، مما يجعل المواقف الأمريكية متأرجحة وتفتقر أحياناً إلى رؤية موحدة وثابتة، مما يفرض على دول المنطقة صياغة مواقفها بناءً على مصالحها الإستراتيجية الخاصة دون الاعتماد الكلي على الضمانات الخارجية.
ففي الوقت الحالي تعيش طهران مرحلة سياسية جديدة وصفت بأنها خروج عن سياسة «الصبر الإستراتيجي» التقليدية نحو قيادة جديدة تبدو مستعدة لأخذ مخاطر كبيرة وغير محسوبة لفرض واقع ميداني جديد. ويعود هذا التحول إلى الصدمات العنيفة السابقة التي تعرضت لها الدولة، متمثلة في فقدان قيادات تاريخية عليا وتدمير بنى تحتية حيوية، مما سرّع في صعود طبقة جديدة من القيادات داخل الحرس الثوري تتسم بالتشدد والاندفاع لفرض الهيمنة الإقليمية وإعادة صياغة شروط التفاوض من موقع القوة.
ورغم هذه الاندفاعة، تواجه الدبلوماسية الإيرانية معضلات حقيقية في بناء الثقة مع محيطها الجغرافي؛ إذ تسعى طهران حالياً عبر جولات مكثفة شملت باكستان، وسلطنة عمان، والتحضير لزيارات إلى العراق والصين، إلى طرح رؤى للأمن الإقليمي المشترك تضمن وجودها كشريك أساسي، وهي رؤى تتقاطع في بعض جوانبها العقلانية مع طروحات خليجية تؤيد الاستقرار المشترك ولكن وفق محددات واضحة تضمن احترام السيادة ووقف التهديدات المباشرة.
إذ لم تقتصر خطوط التماس الساخنة على مياه الخليج، بل امتدت لتشمل الساحة اللبنانية التي شكلت اختباراً متزامناً لمسار التفاوض الدولي. وتتداول الولايات المتحدة وإسرائيل حالياً صيغة «المناطق التجريبية» كإطار لانسحابات إسرائيلية جزئية من بعض النقاط الميدانية الساخنة؛ مثل «تبنين» و»علي الطاهر»، كبادرة حسن نية من حكومة بنيامين نتنياهو لدرء التصعيد.
إلا أن هذه الترتيبات العسكرية تصطدم بتعقيدات لوجستية وإستراتيجية بالغة الحساسية؛ فالانسحاب الإسرائيلي مشروط بانتشار الجيش اللبناني وإشرافه الكامل على تدمير البنى التحتية العسكرية في تلك المناطق، وهو أمر يواجه هواجس عسكرية متبادلة، كون الانسحاب من بعض التلال الحاكمة قد يؤدي إلى كشف مواقع إستراتيجية أخرى مثل قلعة الشقيف أو إصبع الجليل، مما يجعل الجولات التفاوضية المستمرة في واشنطن تدور في حلقة مفرغة بين المطامع الإسرائيلية الميدانية وتمسك الدولة اللبنانية بالشرعية والموقف السيادي المعترف به دولياً.
بالنهاية تثبت التطورات المتسارعة من مضيق هرمز إلى تلال جنوب لبنان أن التوقيع على مذكرات التفاهم لا يعني نهاية الصراع، بل هو إيذان ببدء معركة أشد تعقيداً تتعلق بآليات التنفيذ ومن يملك سلطة القرار الميداني. وإن بقاء هذه التفاهمات هشة وغير خطية يضع المنطقة أمام خيارين: إما الانزلاق مجدداً نحو المربع الأول من المواجهة العسكرية المفتوحة، أو نجاح الجهود الدبلوماسية في صياغة خطاب إقليمي جديد يحترم القوانين الدولية ويربط المصالح الاقتصادية بالتزامات أمنية وسياسية حقيقية تضمن الاستقرار الدائم لجميع الأطراف المتشاطئة.