ثامر الشهراني
يمر المشهد السياسي والأمني في منطقة الخليج العربي بمنعطف تاريخي جراء تطورات الأزمة العسكرية التي انطلقت في فبراير 2026، حيث فرضت المواجهة الجوية واقعاً جيوسياسياً جديداً أعاد صياغة موازين القوى والردع والتحالفات الإقليمية والدولية.
ومنذ البداية بدا واضحاً أن طهران اختارت نقل ساحة الضغط إلى العمق الخليجي عبر إستراتيجية الإغراق الكمي باستخدام الطائرات المسيَّرة والصواريخ الباليستية، مع توجيه الجزء الأكبر من الهجمات نحو السعودية والإمارات والكويت.
ولم يكن اختيار الأهداف عشوائياً، بل عكس توجهاً لضرب الاستقرار الاقتصادي والرمزية السيادية، فقد استهدفت الهجمات مطارات مدنية وفنادق ومنشآت طاقة ومرافق خدمية ومبانٍ حكومية، من بينها مبنى المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية في الكويت، بهدف نقل المواجهة إلى قلب البيئة الاقتصادية الخليجية والتأثير على ثقة الاستثمار والاستقرار.
في المقابل نجحت دول مجلس التعاون في تقديم نموذج دفاعي متقدم، حيث تمكنت منظوماتها من اعتراض وإسقاط الغالبية الساحقة من الهجمات التي تجاوزت 6800 هجمة بين طائرات مسيّرة وصواريخ باليستية، ما منع وقوع خسائر إستراتيجية كبيرة كان يمكن أن تهدد أسواق الطاقة والاقتصاد الإقليمي.
كما كشفت الأزمة مستوى غير مسبوق من التلاحم الأمني الخليجي، حيث تحولت المنطقة إلى منظومة دفاعية واحدة، وتقدمت المصالح المشتركة على الحدود الجغرافية، بما يعكس تطوراً في مفهوم الأمن الجماعي الخليجي.
غير أن الأزمة أعادت طرح سؤال الضمانات الدولية، إذ عززت التحركات الدبلوماسية تجاه طهران قناعة متزايدة لدى دول الخليج بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة لتفاهمات خارجية لا تراعي مصالحها المباشرة.
ومن هنا تتجه دول الخليج إلى تعزيز مقاربة جديدة للأمن تقوم على بناء القدرات الذاتية إلى جانب الشراكات الدولية، مع تأكيد أن أي تسويات مستقبلية يجب أن تراعي أمن الخليج كعنصر أساسي في الاستقرار الإقليمي.
ولم تعد هذه المواجهة تُقاس بعدد الصواريخ والطائرات المسيّرة، بل بقدرة الدول على حماية قرارها السيادي واقتصادها الوطني. وقد أثبتت التجربة أن الردع الفاعل لا يعتمد على القوة العسكرية وحدها، وإنما على تكامل المنظومات الدفاعية، وسرعة اتخاذ القرار، ووحدة الموقف الخليجي، وهي معادلة سترسم ملامح أي ترتيبات أمنية مقبلة في المنطقة.
لقد فرضت الأزمة واقعاً جديداً عنوانه أن أمن الخليج لم يعد قابلاً للتأجيل أو التفاوض، وأن الدول التي نجحت في حماية مدنها واقتصاداتها باتت أكثر تمسكاً بدورها في صياغة مستقبل الأمن الإقليمي، لأن أمن الخليج لم يعد مجرد أولوية سياسية، بل أصبح شرطاً أساسياً لاستقرار المنطقة والعالم.