د. عبدالمحسن الرحيمي
تتشكل قيمة الحراك الثقافي حين يتحول من صناعة المناسبات إلى صناعة الأفكار، ومن تنظيم الفعاليات إلى بناء بيئات معرفية قادرة على إنتاج الحوار واستدامته. وهذه هي السمة التي أخذت تتبلور بوضوح في المشهد الثقافي السعودي، حيث لم يعد الكتاب مجرد وعاء للمعرفة، بل أصبح نقطة انطلاق لحوار علمي، ولم تعد الفعالية الثقافية غاية في ذاتها، بل وسيلة لإثراء الوعي، وتعزيز رأس المال الفكري، وترسيخ الثقافة بوصفها أحد المرتكزات الإستراتيجية للتنمية الوطنية.
ولعل المتأمل في مسار التحول الثقافي الذي تشهده المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة يدرك أن الإنجاز الحقيقي لا يكمن في كثافة المبادرات أو تنوع البرامج أو اتساع الفعاليات، وإنما في التحول الذي طرأ على فلسفة الثقافة ذاتها. فقد انتقلت الثقافة من كونها نشاطاً موازياً للتنمية إلى أحد محركاتها، ومن فضاء يعنى بالنخب إلى مساحة وطنية تشارك في بناء الإنسان، وتوسيع مداركه، وتعزيز قدرته على الحوار والإبداع، وإعادة تشكيل علاقته بالمعرفة بوصفها قيمة حضارية وليست مجرد وسيلة لاكتساب المعلومات.
هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، كما أنه لم يكن استجابة آنية لمتغيرات محلية أو عالمية، بل جاء امتداداً لرؤية قيادية أدركت مبكراً أن المجتمعات لا تدخل التاريخ من بوابة الاقتصاد وحده، ولا تحافظ على مكانتها بقوة مواردها فحسب، وإنما بقدرتها على بناء إنسان يمتلك الوعي قبل المعرفة، والبصيرة قبل المهارة، والقدرة على إنتاج الفكرة قبل استهلاكها. ولهذا أصبحت الثقافة في التجربة السعودية المعاصرة جزءاً من مشروع وطني متكامل، تتقاطع فيه السياسة التعليمية، والإعلام، والبحث العلمي، والإبداع، والهوية الوطنية، في إطار واحد يجعل الإنسان نقطة البداية والنهاية في معادلة التنمية.
وقد تناولنا في مقالات سابقة هذا التحول من خلال مفهوم المدرسة السعودية للقيادة الواعية، ليس بوصفها توصيفاً إدارياً، وإنما باعتبارها إطاراً معرفياً يساعد على تفسير الكيفية التي انتقلت بها المملكة من إدارة التنمية إلى إدارة الوعي. فالقيادة الواعية، كما عرضناها، لا تُقاس بعدد المشروعات التي تُنجز، وإنما بقدرتها على بناء البيئة الفكرية التي تجعل تلك المشروعات قابلة للاستمرار والتطور. وهي ترى أن الاستثمار في الإنسان لا يبدأ عند المدرسة أو الجامعة، بل يبدأ ببناء المجال الثقافي الذي تتشكل فيه الأفكار، وتنضج فيه القيم، وتتكون فيه الشخصية الوطنية القادرة على الجمع بين الأصالة والانفتاح، وبين الثوابت والتجديد.
ومن هذا المنظور، فإن المشهد الثقافي السعودي لا يمكن قراءته من خلال الفعاليات منفردة، لأن كل مبادرة تمثل جزءاً من منظومة أكبر، تتكامل فيها الأدوار لتكوين بيئة معرفية متماسكة. فالجامعة تؤدي دورها في إنتاج المعرفة، والإعلام يوسع دائرة انتشارها، والمؤسسات الثقافية توفر المنصات التي تتحول فيها تلك المعرفة إلى حوار، بينما تسهم المبادرات المجتمعية في نقل هذا الحوار من الإطار المؤسسي إلى المجال العام، ليصبح الوعي ممارسة يومية، لا نشاطاً موسمياً.
ولهذا فإن المجالس الأدبية والديوانيات الثقافية استعادت في المملكة وظيفة تاريخية كادت أن تغيب في كثير من المجتمعات العربية. فهي لم تعد أماكن يلتقي فيها المثقفون لتبادل الآراء فحسب، وإنما أصبحت ساحات يتقاطع فيها البحث العلمي مع الإعلام، ويلتقي فيها الكاتب بالقارئ، والأكاديمي بالممارس، وصاحب التجربة بالباحث عنها. وهذه البيئة الحوارية هي التي تمنح الكتاب عمره الحقيقي، لأن قيمة الكتاب لا تقف عند لحظة نشره، بل تبدأ عندما يصبح موضوعاً للنقاش، ومصدراً للأسئلة، وحافزاً لإنتاج معرفة جديدة.
وليس من المبالغة القول إن الحضارات الكبرى لم تبنها الكتب وحدها، وإنما بنتها البيئات التي أحاطت بالكتب. فكم من مؤلف عظيم بقي محدود الأثر لأنه لم يجد مجتمعاً يناقشه، وكم من فكرة متواضعة تحولت إلى مدرسة فكرية لأنها وجدت بيئة ثقافية احتضنتها، ونقدتها، وطورتها، وأضافت إليها. ولذلك فإن الفارق بين مجتمع يستهلك المعرفة ومجتمع ينتجها لا يكمن في عدد المؤلفات، وإنما في وجود مؤسسات قادرة على تحويل المعرفة الفردية إلى معرفة مجتمعية.
وفي هذا السياق تبرز ديوانية القلم الذهبي بوصفها إحدى المبادرات التي تعكس هذا التحول النوعي في المشهد الثقافي السعودي. فالديوانية لا تقدم نموذجاً تقليدياً يقوم على استضافة مؤلف لتوقيع كتابه أو تقديم محاضرة عابرة، وإنما تؤسس لمساحة يلتقي فيها النص مع النقد، والمنهج مع التطبيق، والخبرة مع التساؤل. وبهذا تنتقل الفعالية الثقافية من كونها مناسبة زمنية إلى تجربة معرفية، يكون الكتاب فيها بداية للحوار، لا خاتمة للاحتفاء.
وهذه النقلة الفكرية تستحق التأمل؛ لأنها تعكس تحولاً في فهم وظيفة الكتاب نفسه. فالكتاب لم يعد يُنظر إليه بوصفه منتجاً فكرياً يكتمل بمجرد طباعته، وإنما باعتباره مشروعاً مفتوحاً للحوار. والمؤلف لم يعد يقاس بما كتبه وحده، بل بما يستطيع أن يثيره من نقاش، وما يفتحه من آفاق بحث، وما يقدمه من أدوات جديدة لفهم الظواهر وتحليلها. وهنا يصبح الاحتفاء الحقيقي موجهاً إلى المنهج الذي يحمله الكتاب، لا إلى اسم صاحبه، وإلى القيمة العلمية التي يضيفها، لا إلى عدد نسخه أو حجم انتشاره.
ومن هذا المنطلق، اكتسب تدشين كتاب «لغة الخطاب الإعلامي: مقاربات في البنية والسياق والدلالة» دلالة تتجاوز حدود مناسبة ثقافية عابرة. فالكتاب يقدم مثالاً على التحول الذي تحتاج إليه الدراسات الإعلامية العربية، حين تنتقل من الاكتفاء بوصف المحتوى إلى تحليل بنية الخطاب، ومن الاهتمام بما يقوله النص إلى فهم الكيفية التي يبني بها معناه، ويصوغ رسالته، ويؤثر في وعي المتلقي.
إن القيمة التي يحملها هذا النوع من الأعمال لا تتمثل في اختيار المقال الصحفي موضوعاً للدراسة فحسب، بل في إعادة الاعتبار للمقال بوصفه وثيقة معرفية. فالمقال الرصين لا يعكس رأي كاتبه فقط، وإنما يعكس ثقافة عصره، ومنهج التفكير السائد فيه، واللغة التي يتشكل بها الوعي العام، والمرجعيات التي يستند إليها المجتمع في تفسير قضاياه الكبرى. وعندما يخضع هذا الخطاب للتحليل العلمي، فإننا لا نقرأ نصوصاً متفرقة، بل نقرأ مرحلة تاريخية كاملة من خلال لغتها، وأفكارها، وآلياتها في صناعة المعنى.
ولهذا فإن القيمة الحقيقية لمثل هذه المؤلفات لا تكمن في أنها تضيف عنواناً جديداً إلى المكتبة، وإنما في أنها توسع حدود الحقل المعرفي، وتفتح الباب أمام الباحثين لإعادة قراءة الصحافة السعودية بوصفها مصدراً من مصادر المعرفة الوطنية، وسجلاً لتحولات المجتمع، ومرآة للتطور الفكري الذي رافق مسيرة المملكة في العقود الأخيرة.
ولعل هذه هي الرسالة التي نجحت ديوانية القلم الذهبي في تجسيدها؛ إذ لم تجعل من تدشين الكتاب نهاية لرحلة التأليف، وإنما بداية لرحلة أخرى أكثر أهمية، هي رحلة الحوار. فحين يغادر الكتاب رفوف المكتبات إلى موائد النقاش، يصبح أكثر قدرة على الحياة، وأكثر تأثيراً في العقول، وأكثر إسهاماً في صناعة المستقبل.