د. عبدالحق عزوزي
هناك تراجع مقلق في احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، مما يؤدي إلى إضعاف سيادة القانون واتجاه العالم تدريجياً نحو الفوضى وتأجيج بؤر التوتر والصراعات.
وهذا ما حذّر منه مؤخرا الأمين العام للأمم المتحدة، السيد أنطونيو غوتيريش.. وليس هذا التحذير وليد اللحظة، بل يأتي امتداداً لمواقف متكررة عبّر عنها في مناسبات عديدة، إدراكاً منه لما يشهده النظام الدولي من تحولات عميقة جعلت منطق القوة يتقدم، في كثير من الأحيان، على قوة القانون. وقد أفضى هذا الواقع إلى تصاعد الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، واتساع نطاق النزاعات المسلحة في مناطق متعددة من العالم، من بينها أوكرانيا والسودان والشرق الأوسط، فضلاً عن أزمات أخرى تعكس هشاشة النظام الدولي وتراجع فعالية آليات حفظ السلم والأمن الدوليين.
وبعد مرور ثمانية عقود على تأسيس منظمة الأمم المتحدة، يمكن القول إن هذه المنظمة نجحت، إلى حدّ بعيد، في تحقيق أحد أبرز الأهداف التي أنشئت من أجلها، والمتمثل في الحيلولة دون اندلاع حرب عالمية ثالثة. غير أن ما يشهده النظام القانوني الدولي اليوم من تآكل متسارع وتصدعات عميقة في قواعده ومؤسساته يهدد بإضعاف هذا الإنجاز التاريخي. فقد أصبحت الانقسامات السياسية والجيوسياسية تعرقل قدرة مجلس الأمن على التحرك بفعالية ووحدة، الأمر الذي يحدّ من قدرته على الاضطلاع بمسؤوليته الأساسية في حفظ السلم والأمن الدوليين، ويجعل المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة عرضة لضغوط غير مسبوقة.
ولا يقتصر أثر هذا التراجع على تعطيل آليات العمل الجماعي داخل المنظومة الأممية، بل يمتد ليغذي سباقاً دولياً متسارعاً نحو التسلح، ويعزز التوسع غير المسبوق في الصناعات العسكرية، في ظل تزايد الإنفاق الدفاعي وارتفاع الطلب على الأسلحة المتطورة. وقد كشفت الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل، وما رافقها من انخراط أمريكي، عن حجم الضغوط التي تواجهها الولايات المتحدة فيما يتعلق بمخزونها من الصواريخ والذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، بعدما أظهرت الحروب الحديثة أنها تستهلك قدرات عسكرية هائلة بوتيرة تفوق في كثير من الأحيان الطاقة الإنتاجية للمجمعات الصناعية العسكرية.
ومن ثم، لم يعد السباق العالمي نحو التسلح يقتصر على تطوير الأسلحة الأكثر تقدماً، بل أصبح يشمل أيضاً توسيع القاعدة الصناعية العسكرية، ورفع الطاقة الإنتاجية، وإعادة هيكلة سلاسل التوريد، وإنشاء مصانع وشركات جديدة قادرة على تلبية الطلب المتزايد في أوقات الأزمات. وهو ما يفسر توجه قوى كبرى، مثل الولايات المتحدة وروسيا وعدد من الدول الأوروبية، إلى اعتماد استراتيجيات صناعية وعسكرية جديدة، تعكس انتقال العالم تدريجياً إلى مرحلة تتزايد فيها الاعتبارات الأمنية والعسكرية على حساب منطق التعاون الدولي والتنمية المشتركة.
ويزداد هذا الوضع تعقيداً إذا ما تعلق الأمر بإصلاح ميثاق الأمم المتحدة ذاته، إذ تصطدم أي محاولة جادة لتعديله بعقبة قانونية بالغة الصعوبة، تتمثل في أحكام المادة (108) من الميثاق، التي تنص على أن» التعديلات التي تُدخل على هذا الميثاق تسري على جميع أعضاء الأمم المتحدة إذا صدرت بموافقة ثلثي أعضاء الجمعية العامة، وصادق عليها ثلثا أعضاء الأمم المتحدة، بما في ذلك جميع الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن» ويمنح هذا الشرط للدول الخمس دائمة العضوية سلطة حاسمة في إقرار أي تعديل، الأمر الذي يجعل إصلاح البنية المؤسسية للأمم المتحدة رهيناً بتوافق مصالح هذه القوى الكبرى، رغم ما يشهده النظام الدولي من تحولات عميقة تفرض مراجعة عدد من الآليات التي لم تعد تستجيب لمتطلبات الواقع الدولي المعاصر.
ومن جهة أخرى، لا تزال المنظومة الدولية تعاني من قصور واضح في تعبئة الموارد المالية اللازمة لمواجهة التحديات العالمية المتفاقمة، سواء تعلق الأمر بإنقاذ حياة ملايين البشر المتضررين من النزاعات والكوارث، أو بتمويل مسارات التنمية المستدامة، أو ببناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات المتلاحقة. وعلى الرغم من إطلاق الأمم المتحدة وشركائها عدداً من المبادرات الاستراتيجية، من بينها ميثاق المستقبل، ومبادرة الأمم المتحدة 80، والتزام إشبيلية بشأن تمويل التنمية، فإن الحصيلة العملية لهذه المبادرات ما تزال دون مستوى الطموحات المعلنة، في ظل استمرار اتساع الفجوات التنموية، وتفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية، وتزايد الضغوط على النظام متعدد الأطراف، بما يحد من قدرته على الاستجابة الفعالة لمتطلبات الأمن والتنمية في القرن الحادي والعشرين.