الهادي التليلي
الحرب الخفية بين ترامب وممداني أو كما يحلو للبعض تسميتها معركة واشنطن ونيويورك أو معركة بين أجيال سياسية مختلفة المشارب والطموحات، الأولى تقول بإنها مصابة بعقدة قتل الأب، أي أنها تريد نحت مستقبلها بما يشبهها لا بما يشبه مصالح الشيوخ، والثانية ترى أنها تمتلك الشرعية في الحفاظ على أمن البلد ومصالحه وحمايته من المهاجرين والمهمشين وجعل أمريكا بلداً للمرفهين.
الحرب الخطابية بينهما تشتد وتيرتها كلما حان استحقاق انتخابي لدرجة أن الصراع بين الديمقراطيين والجمهوريين اقتصر على التراشق الخطابي بين رجلين كلاهما قادم من بيئة مختلفة عن الثاني، الأول دونالد فريد ترامب من عائلة ثرية مختصة في التطوير العقاري وخريج جامعة بنسلفانيا الباذخة وتخرج منها سنة 1968 لم يخرج من جلباب العائلة لحظة تخرجه، إذ تولى إدارة شركة العائلة TRUMP ORGANIZATION واقتصر استثماره عند النشأة حول الاختصاص العام للشركة مع توسعات عقارية مثل الفنادق والكازينوهات والمنتجعات، كما وسع أفق الشركة لتكون استثماراتها داخلية وخارجية، عرفه الجمهور من خلال برنامج THE APPRENTICE في ما يعبر عنه بتلفزيون الواقع وخاصة بعبارته المتداولة أنت مطرود ترأس الولايات المتحدة مرشحاً عن الحزب الجمهوري في سنة 2016 بدعم قوي من إمبراطور الإعلام موردوخ وقامات مالية واقتصادية راهنت عليه لأسباب عديدة.
ترامب الأكثر إثارة للجدل في تاريخ رؤساء الولايات المتحدة الأمريكية دفع بأمريكا إلى حربا لم تحقق أياً من أهدافها سوى تأجيج الداخل الأمريكي ضده وتزايد كراهية الشعوب لإسرائيل.
في حين جاء زهان ممداني من بيئة مختلفة معبراً عن طموحات وثقافة جيل جديد زهران ممداني عمدة نيويورك نجل محمود ممداني الأكاديمي وأستاذ العلوم السياسية في أوغندا والذي هاجر إلى أمريكا وحقق نجاحات أكاديمية ليصل لدرجة أستاذ تعليم عالي في جامعة كولومبيا، مع بقائه كمستشار لجامعة كامبالا الأوغندية، وأمه المخرجة والممثلة والمنتجة الهندية الشهيرة ميرا ناير وزوجته السورية راما دوجي التي انتقلت عائلتها من هيوستن إلى دبي وتزوجها في فبراير2025، يعني أن الرجل تحرك به القدر من الهامش إلى المركز ليقف في سدة العالم لسان حال المهاجرين والمهمشين وكل من تأذوا من سياسات الهجرة الأمريكية.
في الحقيقة هذا الطفل الذي نشأ في كمبالا الأوغندية ومنها إلى كبتاون الجنوب في إفريقيا ثم إلى أمريكا تحول مجرى حياته من فن الراب إلى عالم السياسة منذ دخوله الحزب الديمقراطي الاشتراكي الأمريكي من خلال منطقة كوينز ليصبح حامل لواء الطبقات الضعيفة التي قهرتها الطبقة التي يزداد ثراءها يوما بعد يوم، فصاحة الخطاب ومشهدية متوارثة من أمه المخرجة البارعة وحنكة المحلل السياسي من الأكاديمي والده محمود جعلا منه خطيباً يشد الجميع إليه.
لعل نقطة اللقاء بين ممداني وترامب هي الإعلام والأضواء فالأول من خلال تلفزيون الواقع والثاني أتى المشهد مقطراً من عقاقير شتى وهو ما أعطاه مشروعية أن يكون منافساً جدياً لترامب في شد الجمهور وجاذبية الخطاب.
زهران ممداني المسلم الذي تسلم مهامه رسمياً في يناير 2026 يعد أمل الطبقات الهشة الأخير ومنقذاً لهم من شطحات الجمهوري ومن حسابات الأثرياء الكوبوي ونزواتهم على حساب الطبقات الهشة، كما يرون فيه فرصة لتحجيم تنمر إسرائيل في الشرق الأوسط وفرصة لتحويل نيويورك إلى منطقة تعايش سلمي بلا عنصرية ولا طرد عشوائي، وصول ممداني لسدة نيويورك مكسب للمهاجرين وللفئات المستضعفة وأمل لمن دهستهم ركاب الكوبوي وعنتريات الأثرياء وشطحاتهم على حساب الطبقات الفقيرة.
في الحقيقة وهج الخلاف بين الجمهوريين والديمقراطيين ازداد وهجه خاصة بعد الانتخابات التمهيدية والتي فاز خلالها ثلاثة ديمقراطيين مدعومين من زهران ممداني، وهم أولاً براد لاندر الذي فاز على الجمهوري المخضرم دان غولدمان، ثانياً السيدة كلير فالديز التي فازت بمقعد الدائرة السابعة بعد منافسة شرسة مع أنطونيو رينوسو، وثالثاً دارياليزا أفيلا شوفاليي التي يعتبر انتصارها على المخضرم ادريانو إسبايات أكبر مفاجأة وإشارة حمراء للحزب الجمهوري.
تمدد ممداني الذي بدأ يظهر للعيان أصبح مستفزاً للحزب الجمهوري وخاصة دونالد ترامب الذي يرى في ممداني طموحاً للوصول إلى البيت الأبيض بخطاب اشتراكي ديمقراطي مغر للشباب وقادر على هز عرش نجوميته في أمريكا والعالم، حتى أنه عبر عن ذلك مباشرة في خطابه معتبراً إياه وحلفاءه خطراً على أمريكا من خلال هذا التوجه الشيوعي الاشتراكي المرتدي لقناع ديمقراطي، ملمحاً إلى كون ممداني ذراعاً روسية داخل الحزب الديمقراطي محاولة منه لضربه في البيت الديمقراطي ذاته.
في حين يرى المعادون أن ممداني من المعادين لحرب روسيا ضد أوكرانيا، بل إنه صرح علناً بأنه سيدعم تنفيذ مذكرة المحكمة الجنائية ضد بوتين إذا دخل نيويورك، وحتى الإعلام الروسي لم يحتفل بتمدد ممداني معتبراً إياه مؤشراً على انقسام داخلي وشرخ عميق داخل البيت الديمقراطي، والصورة الذهنية لممداني عند الروس هو شخص لا يخدم مصالحهم.
حرب المشاعل بين ترامب وممداني حرب يرسمها الآتي قبل أن يأتي، ونعني بذلك الانتخابات الرئاسية القادمة التي قد تحول حرب المشاعل إلى موقف تسلم المشعل من ترامب إلى ممداني، لذلك يحاول كل منهما تأجيج المشاعر لتحقيق أهدافه الانتخابية القادمة.