أحمد الأسمري
في مساء الاثنين 23 سبتمبر 1996، وفي ذكرى اليوم الوطني، ظهر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمير منطقة الرياض آنذاك، على شاشة التلفزيون السعودي، في حوار مطول أجراه المذيع ماجد الشبل.
تحدث الملك سلمان عن والده العظيم الملك عبد العزيز، ووحدة البلاد، والانتقال التاريخي من الفُرقة إلى اللُحمة ومن الفوضى إلى الدولة.
غير أن الحوار حمل معلومة صارت عنوان الساعة، حين أعلن أن المملكة تستعد، بمباركة من الملك فهد وولي عهده الأمير (الملك) عبد الله، للاحتفاء بعد عامين هجريين بمرور مائة عام على دخول الملك عبد العزيز الرياض واستعادة مُلك آبائه وأجداده.
وجاءت مئوية تأسيس المملكة كما يليق بها، وبقيت نموذجاً للعمل التاريخي المنظم الذي قدّم سيرة المؤسس والبلاد على نحو غير مسبوق، وبصورة مكثفة ومتنوعة وقريبة من مختلف الشرائح.
اليوم، وبعد كل هذه السنوات، نحن أمام موعدٍ كبير.
في فبراير القادم تكتمل ثلاثة قرون على تأسيس الدولة السعودية على يد الإمام محمد بن سعود.
وقد أشار سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، إلى أن أمريكا تقترب من الاحتفاء بمرور 250 عاماً على تأسيسها، فيما تستعد المملكة للاحتفاء بمرور 300 عام على تأسيس الدولة السعودية.
كانت تلك لفتة ذكية من ولي العهد، قالت للعالم إن السعودية ليست مشروعاً حديثاً مبتعداً عن جذوره، بل دولة عريقة لها امتدادها التاريخي والسياسي، والذي بدأ من الدرعية، واستمر رغم العواصف والمحن.
وهنا يأتي السؤال: ماذا أعددنا لهذه المناسبة؟ لا أقصد الاحتفال بمعناه المعتاد، فهذا سيحدث حُكماً، ولا أقصد أيضاً الاكتفاء بالهوية البصرية، والفعاليات التي تملأ أيام المناسبة ثم تنقضي.
ما أعنيه هو مشروع وطني أوسع، يقدّم الثلاثمائة عام كما تستحق، تأريخاً، ومعرفةً، وفناً، وذاكرةً، وحضوراً إقليمياً ودولياً.
نحتاج إلى احتفاءٍ يجمع الرصانة بالفرح. إلى كتب وإصدارات متخصصة، وأخرى ميسرة تخاطب الجميع، ومعارض ثرية في مختلف المناطق، ومنصات رقمية تفاعلية، ومحتوى جذاب للأطفال والناشئة، ووثائقيات تحفظ أهم تفاصيل القرون الثلاثة والأطوار الثلاثة للدولة. كما أن مؤتمراً فكرياً عميقاً يسترجع مؤتمر «المملكة العربية السعودية في مائة عام» يعدّ بنداً مطلوباً.
ومن الأفكار التي تستحق أن تُطرح بجدية، إطلاق فيلم سينمائي عالمي من وحي حكايا الدولة السعودية (السيرة المثيرة لمؤسس الدولة الثانية الإمام تركي بن عبد الله مثالاً)، على أن يكون ضخماً في إنتاجه، رفيعاً في لغته، دقيقاً في سرديته، وقادراً على الوصول إلى المشاهد السعودي والعربي والأجنبي.
ويساعدنا في ذلك أن لدينا اليوم صناعة سينما منظمة، وأسماء تعرف كيف تجعل المنتَج حديث الساعة، يتقدمها المستشار تركي آل الشيخ.
ثلاثمائة عام، من محمد بن سعود إلى سلمان بن عبدالعزيز، ليست رقماً في مقال أو مقدمة احتفال، بل إنها عمر دولة راسخة، وامتحان ثبات وبقاء، وحكاية مجتمع وقيادة ووحدة وأمن.
وإذا كنّا قد نجحنا في تقديم مئوية تأسيس المملكة محلياً وخارجياً بما بقي أثره إلى اليوم، فإن مناسبة الثلاثة قرون تستحق إعداداً كبيراً، وخيالاً واسعاً، وعملاً يبدأ مبكراً قبل أن يضيق الوقت.